دژوار فائق
محلل سياسي و مستشار الأقدم
منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، اتسمت العلاقة بين الحكومات العراقية المتعاقبة والشعب الكوردي بطابع الصراع المستمر، إذ غلّبت تلك الحكومات في معظم المراحل الخيار العسكري على الحلول السياسية العادلة التي تكفل للكورد حقوقهم القومية والديمقراطية. ومع ذلك، لم تفلح السياسات القمعية في إنهاء القضية الكوردية أو إخضاع إرادة الشعب الكوردي، بل تكبّدت الدولة خسائر عسكرية واقتصادية كبيرة.
عقب استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1968، واستمرار المواجهات المسلحة، أدرك بعض قادته، وفي مقدمتهم صدام حسين، أن الحسم العسكري لم يتحقق. فطُرح خيار “الحل السلمي” بوصفه مخرجاً مرحلياً، وتم تبنّي مسار التفاوض كتكتيك لإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية. وفي هذا السياق وقعت اتفاقية 11 آذار 1970 مع قيادة ثورة أيلول بزعامة الخالد مصطفى البارزاني.
غير أن الوقائع اللاحقة أظهرت أن الحكومة العراقية لم تكن جادة في تنفيذ بنود الاتفاق، بل تعاملت معه كخطوة مؤقتة لإعادة بناء قدرات الجيش الذي كان يعاني آنذاك من ضعف في العتاد والمعنويات. وخلال فترة الهدنة، انصرفت القيادة العراقية إلى دراسة عناصر قوة الثورة الكوردستانية، فوجدت أنها تتمثل في الحضور الجماهيري والكاريزما القيادية للقائد الراحل مصطفى البارزاني، وفي شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، لاسيما مع الاتحاد السوفيتي، والحزب الشيوعي العراقي، إلى جانب علاقاتها المتينة مع إيران في تلك المرحلة.
وبناءً على ذلك، سعت الحكومة إلى تفكيك هذه الركائز. فشهدت المرحلة محاولات اغتيال استهدفت البارزاني الخالد في عام 1971، ومحاولات أخرى طالت الفقيد إدريس مصطفى البارزاني في بغداد، فضلاً عن تنفيذ عمليات إرهابية ضد قيادات بارزة في الحزب والثورة. كما وقّعت بغداد عام 1972 اتفاقية صداقة وتعاون مع الاتحاد السوفيتي لكسب دعمه عبر صفقات نفطية وعسكرية، وشكّلت جبهة وطنية مع الحزب الشيوعي العراقي لإبعاده عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، إضافة إلى محاولات استمالة بعض القيادات الميدانية. أما العلاقة مع إيران، فقد جرى تأجيل الحسم فيها إلى مرحلة لاحقة.
وفي آذار 1974، تراجعت الحكومة عن تنفيذ اتفاقية 11 آذار، وأصدرت قانون الحكم الذاتي من جانب واحد، ثم عادت إلى الخيار العسكري، معتقدة أن إعادة تسليح الجيش بأسلحة متطورة ستمكّنها من حسم المعركة. غير أن المواجهات لم تحقق لها النتائج المرجوة على أرض الواقع.
كان بالإمكان العودة إلى طاولة الحوار وتطبيق اتفاقية 1970 بروح مسؤولة، غير أن القيادة العراقية اختارت مساراً آخر. ففي السادس من آذار 1975، وُقّعت اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران بوساطة جزائرية ودعم أمريكي، وتضمّنت تسوية الخلافات الحدودية، ولاسيما في شط العرب، مقابل وقف إيران دعمها للثورة الكوردية.
ورأى كثير من المراقبين أن الحكومة العراقية آثرت تقديم تنازلات خارجية بدل التوصل إلى تسوية عادلة مع الكورد، الذين يشكّلون مكوّناً أساسياً من مكونات الشعب العراقي. وقد تعرّضت الاتفاقية آنذاك لانتقادات من قوى سياسية ومثقفين عراقيين وعرب، اعتبروها قراراً أضرّ بالمصلحة الوطنية.
وفي عام 1979، وبعد سقوط نظام الشاه في إيران، واندلاع الحرب العراقية الإيرانية أعلن صدام حسين إلغاء اتفاقية الجزائر، مستنداً إلى تقديره بضعف السلطة الجديدة في طهران. إلا أن إيران رفضت هذا الإلغاء، وكان ذلك من العوامل التي أسهمت في اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية، التي استمرت ثماني سنوات وأثقلت كاهل العراق بخسائر بشرية واقتصادية جسيمة وديون خارجية متراكمة.
وتفاقمت الأزمات لاحقاً، وصولاً إلى غزو الكويت عام 1990، وما أعقبه من تدخل دولي، وفرض حصار اقتصادي استمر أكثر من اثني عشر عاماً، ثم سقوط النظام عام 2003. وهكذا دخل العراق في دوامة من الصراعات والحروب التي كان بالإمكان تجنّب كثير من تداعياتها لو أُنجز حل عادل ومستدام للقضية الكوردية في وقت مبكر.
إن تجاهل الحلول المنصفة وتأجيل معالجة القضايا الوطنية لا يؤديان إلا إلى تعقيد الأزمات وتوسيع نطاقها. ومن الضروري أن تستفيد النخب السياسية في العراق والمنطقة من تجارب الماضي، وأن تعلي من شأن الحوار والتسويات العادلة، خدمةً للاستقرار الداخلي والسلم الإقليمي.