رئيس التحرير
لم تكن انتفاضة شعب كوردستان حدثًا عابرًا في سياق التاريخ العراقي المعاصر، بل كانت محطة فاصلة أعادت رسم ملامح الوعي الوطني الكوردستاني، ورسّخت إرادة الحرية في مواجهة عقود من القمع والتهميش التي مارسها النظام البعثي البائد. وقد انطلقت شرارتها الأولى من مدينة رانية، لتتحول سريعًا إلى موجة شعبية عارمة عمّت مدن وقصباتكوردستان، معلنةً بداية مرحلة جديدة في مسيرة النضال.
جاءت الانتفاضة في أعقاب حرب الخليج الثانية عام 1991، وفي ظل ظروف سياسية وعسكرية معقدة شهدها العراق آنذاك، حيث تزعزعت أركان السلطة المركزية، وبرزت فرصة تاريخية أمام الشعوب المظلومة للتعبير عن تطلعاتها. وكان شعب كوردستان، الذي ذاق ويلات الحملات العسكرية والتهجير القسري وسياسات الأنفال سيئة الصيت، أكثر الشعوب استعدادًا لاقتناص تلك اللحظة التاريخية.
لقد تراكمت عوامل الغضب الشعبي على مدى سنوات طويلة، من القصف الكيميائي إلى حملات الاعتقال والإعدامات، فكانت الانتفاضة تعبيرًا طبيعيًا عن إرادة جماعية في كسر القيود واستعادة الكرامة الإنسانية.
في الأول من آذار عام 1991، شهدت مدينة رانية تحركًا شعبيًا واسعًا ضد مراكز السلطة والأجهزة الأمنية التابعة للنظام. وسرعان ما انتقلت شرارة الانتفاضة إلى مدن أخرى، منها السليمانية وأربيل ودهوك، لتتحول إلى انتفاضة شاملة أطاحت بمظاهر السلطة البعثية في معظم مناطق كوردستان.
لقد شكّلت رانية، بذلك، رمزًا للبداية الجريئة؛ فهي المدينة التي احتضنت اللحظة الأولى لانفجار الغضب الشعبي، ومنها انطلقت رسالة واضحة مفادها أن الشعوب مهما طال صبرها لا يمكن أن تتخلى عن حقها في الحياة الحرة الكريمة.
لم تكن الانتفاضة مجرد فعل احتجاجي، بل كانت إعلانًا عن وعي سياسي متقدم، وإصرارًا على بناء واقع جديد. ومن رحم تلك الانتفاضة، تشكّلت ملامح التجربة السياسية والإدارية في إقليم كوردستان لاحقًا، بما حملته من تحديات وإنجازات.
كما حملت الانتفاضة بعدًا إنسانيًا عميقًا، إذ جسدت وحدة المجتمع الكوردستاني بمختلف أطيافه، وتكاتف قواه السياسية والاجتماعية في مواجهة الاستبداد. لقد أثبتت تلك الأيام أن إرادة الشعوب قادرة على تغيير المعادلات مهما بلغت قوة الأنظمة القمعية.
تبقى انتفاضة شعب كوردستان صفحة مضيئة في سجل النضال الوطني، ودليلًا حيًا على أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح. وستظل مدينة رانية حاضرة في الوجدان الجمعي بوصفها مهد الشرارة الأولى، ورمز الانطلاق نحو عهد جديد من التضحيات والآمال.
إن استذكار تلك الانتفاضة ليس مجرد استعادة لحدث تاريخي، بل هو تأكيد مستمر على القيم التي قامت عليها: الكرامة، والعدالة، والإرادة الحرة. وهي رسالة متجددة للأجيال بأن طريق الحرية، وإن كان شاقًا، يبقى الخيار الأسمى في مسيرة الشعوب.