النفطُ العراقي…رهينةُ مضيقِ هرمز

مصطفى طارق الدليمي

حين تهتز الأرض تحت وقع الانفجارات في أصفهان أو تل أبيب يرتد الصدى صمتاً مطبقاً في أزقة بغداد والبصرة لا بفعل الخوف وحده بل بانقطاع التيار الذي يربط مصائرنا بخرائط غاز الجوار ليجد العراقي نفسه أمام مفارقة العيش فوق بحر من النفط والجلوس في عتمة الحرب
إن المواطن اليوم لا يراقب شاشات الأخبار ليرصد موازين القوى العسكرية فحسب انما ليتحسس نبض “الميغاواط” المفقود حيث تحولت الـ 50 مليون متر مكعب من الغاز التي تتدفق يومياً عبر الأنابيب الحدودية إلى رهينة سياسية تتلاشى مع كل غارة تستهدف منشآت الطاقة أو تفرض قيوداً جديدة على التوريد ومع وصول الفجوة بين الطلب المحلي الذي يلامس 25 غيغاواط والإنتاج الفعلي المتعثر إلى مستويات حرجة يبرز “الارتهان الطاقوي ” كفاتورة باهظة تُسحب مباشرة من رصيد الاستقرار المعيشي والخدمات الأساسية قبل أن تبدأ المعارك البرية حتى
هذا الانكشاف البنيوي يمتد بعمق نحو مياه الخليج حيث يتحول مضيق هرمز من ممر ملاحي إلى قيد يطوق العراق الذي تعتمد موازنتها بنسبة تتجاوز 90% على رئة مائية وحيدة باتت اليوم في قلب العاصفة

إن تعطل انسيابية الخام من موانئ البصرة أو ارتفاع تكاليف التأمين الحربي يعني تجمد الرواتب وشلل المشاريع في ظل بدائل تصديرية لا تزال عاجزة عن تقديم طوق نجاة حقيقي فخط أنابيب كركوك -جيهان والمسارات البرية تظل قاصرة عن تعويض صادرات الموانئ الجنوبية التي تضخ ملايين البراميل يومياً ورغم ارتفاع أسعار النفط عالمياً نتيجة الصراع يظل العراق أكبر الخاسرين من “علاوة المخاطر” بسبب غياب تنوع المنافذ مما يجعل الاقتصاد الوطني في حالة انكشاف دائم أمام أي اهتزاز في أمن الملاحة

تكتمل فصول هذه الأزمة في الأسواق المحلية التي بدأت تستشعر ضغوطاً تضخمية ناتجة عن اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع كلف الشحن البحري مما يضع الأمن الغذائي على المحك إن استمرار الاعتماد على الاستيراد الكلي للطاقة والسلع مع تجاهل استثمار الغاز المصاحب وتأخير إنشاء خطوط تصدير استراتيجية بديلة جعل من الجسد العراقي عرضة لأي نكسة تصيب الشرايين الإقليمية إنها ضريبة التأخير في بناء سيادة اقتصادية حقيقية تفرض الآن واقعاً يضطر فيه صانع القرار للبحث عن حلول إسعافية وسط حقل ألغام سياسي وعسكري بينما يظل السؤال القائم في الشارع العراقي
إلى متى تظل أضواء بيوتنا وأرزاق أطفالنا رهينة لصراع لا نملك فيه حق الفيتو ولا نستطيع منه مهرباً؟

قد يعجبك ايضا