الحرب العالمية الثالثة: خطاب تعبوي أم احتمال استراتيجي واقعي؟

نبيل خالد مخلف – باحث سياسي

من بين المصطلحات الفضفاضة التي يتكرر استدعاؤها في الخطاب الإعلامي والسياسي المعاصر يبرز تعبير “الحرب العالمية الثالثة” بوصفه عنواناً مثيراً أكثر منه توصيفاً علمياً دقيقاً لتحولات النظام الدولي، فالمصطلح يُستخدم غالباً في سياق التهويل وإنتاج الصدمة الخطابية، لا في إطار تحليل استراتيجي يستند إلى موازين القوى وبنية التفاعلات الدولية الراهنة.

فأي حربٍ عالمية يمكن تصور اندلاعها في ظل نظام دولي تحكمه معادلات الردع النووي، وتشابك المصالح الاقتصادية، وترابط سلاسل الإمداد العالمية، واعتماد متبادل معقّد بين القوى الكبرى؟ وأيّ من الدول الفاعلة اليوم تمتلك الإرادة السياسية والقدرة الاستراتيجية على خوض مواجهة شاملة ومباشرة تقود إلى صدام كوني مفتوح، مع إدراكها المسبق أن كلفته ستكون وجودية وليست فقط مادية أو جيوسياسية؟

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أعاد الردع النووي صياغة قواعد اللعبة الاستراتيجية، فامتلاك قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين ترسانات نووية ضخمة جعل من الحرب الشاملة خياراً انتحارياً تتجاوز كلفته أي مكسب محتمل، وهكذا انتقل الصراع من نمط الحروب الكلاسيكية واسعة النطاق إلى أنماط أكثر تركيباً ومرونة؛ حروب هجينة، وصراعات سيبرانية، وأدوات ضغط اقتصادية ومالية، إضافة إلى حروب استنزاف غير مباشرة تُدار عبر وكلاء أو ساحات إقليمية.

إن بنية النظام الدولي المعاصر لا تلغي احتمالات التصعيد أو الانزلاق إلى مواجهات خطيرة، لكنها تجعل من الحرب العالمية الشاملة احتمالاً ضعيفاً بالمفهوم الكلاسيكي الذي عرفه القرن العشرون. فالتنافس قائم، بل ويتصاعد، غير أنه يجري ضمن حدود محسوبة تحكمها اعتبارات الردع المتبادل، وتوازنات القوى، ومخاطر الانهيار الشامل للنظام الاقتصادي العالمي.

وعليه، فإن الحديث عن “حرب عالمية ثالثة” يبدو أقرب إلى استعارة سياسية أو أداة تعبئة خطابية منه إلى توصيف دقيق لمسار النظام الدولي، العالم لا يتجه نحو مواجهة كونية شاملة، بقدر ما يسير نحو تعددية قطبية مضطربة؛ تنافسٌ حادّ، نعم، لكنه تنافس مضبوط بإكراهات الردع، وحسابات البقاء، وتشابك المصالح الحيوية بين القوى الكبرى.

قد يعجبك ايضا