الجزء الواحد والثلاثون
وفي اليوم التالي باشرت عملي اولاً كحاكم تحقيق، وبعد أن دققت السجلات والاوراق وجدتها بأنها غير دقيقة وأن بعض الاحكام صادرة بدون أدلة كافية، وحتى ان بعض المعتقلين محكومون بالأعدام دون وجود أوراق لهم أو دون أدلة كافية، وبمجرد أن أحد الكوادر أو أحد مسؤولي المنطقة قد شك في شخص ما أو لم يكن راضيا عن تصرفاته فأتهمه بالخيانة أو التجسس دون التفكير فى نتائج هذه التهم، فبدأت بالتحقيق مجددأ وكنت أدعو كل يوم عـدداً من المتهمين للحضور وأجراء التحقيق معهم مجدداً، فأقر اطلاق سراح بعضهم لعدم توفر الادلة ضدهم فأفرج عنهم أو أحالة بعضهم الآخر الى المحاكم المختصة لأجراء محاكمتهم من جديد، أو أن بعض من يشك فيه ويصعب الوصول على الأدلة اللازمة، فكان يؤجل أمره وأكثرهم يطلق سراحه فى أول هدنة يتم التوصل اليها.
كانت أجواء الدار التى نقيم فيها عائلية ونعيش فيها كأفراد عـائلة واحدة ونقضي اوقات الفراغ مع نوادر وظرائف حسن سيد أحمد ولانشعر بأي ملل، ثم وصل مرافقي حيدر بيرداود وكذلك نقل الى محكمتنا البيشمركه بكر الحاج فرج، حالياً هوآمر فوج حماية الدكتور روز نوري شاوه يس رئيس المجلس الوطني الكوردستاني- وكانا يقيمان مع حيدر في الغرفة المجاورة.

وذات يوم وبينما أنا أدقق السجل الخاص بأسماء الموقوفين وقع نظري على اسم المدعو(رحمان شه ل) وهو أحد الكوادرالفلاحية النشيطة للحزب الشـيـوعي العراقي في أربيل، ورجل مسن من أهالي منطقتنا وكان يلقب من قبل أعدء الشيوعيين (بركاع أربيل) تشبيهاً ب(حسن الركاع) أحد الكوادر الشيوعية فى الجنوب، وكان هو الرجل البارز فى الجمعيات الفلاحية التابعة للحزب الشيـوعى، ورغم هذه الاقاويل والادعاءات، فقد كان (رحمان شه ل) هذا-والحق يقال- شخصأ مهذبأ ومتواضعأ جدا ولم الاحظ فيه أي تصرف اعوج أو أنه أعـتدى على أحد، وكل مافي الأمر انه كان يتظاهر أمام الفلاحين البسطاء أنه صديق لعبدالكريم قاسم وأنه سوف يوزع عليهم الاراضي، ولم أر أية تهمة معينة ضده سوى أنه من الشيوعيين النشطاء، وأنه ضد الحزب الديقراطي الكوردستاني حسب ما دون في السجل.
فبحثت في طلبه ولما أحضروه وجدته في حالة مزرية وكان الجو بارداً، بعد أن تبادلنا كلمات التحية أجلسته على أحد الكراسي، فدخل في هذه الأثناء روبيتان الجاف وهمس فى أذني فيما اذا كنت أعرفه، فأجبته بالأيجاب، واستغرب بأني قد سمحت له بالجلوس، فقلت أعرف من هو ومن يكون لذا سمحت له بالجلوس فترك الغرفة، فسألت رحمان عن سبب وجوده فأجاب: بأنه قد التجأ الى قواتنا فى منطقة أربيل فألقـوا القبض عليه دون التـحقيق معه، وبعد أن زودته ببعض الملابس الداخلية ومبلغأ بسيطأ من النقود بعثت به الى حمام القرية، وبعد أن أطعمته طلبتُ منه العودة على أن أدرس مـوضـوعه وأتحدث بخصوصه مع المسؤولين، فطلب مني بطانية لكي يتغطى بها فوعدته بعد أن أحصل على واحدة من المخزن وأبعثها له مساءً، وفعلاً فقد ارسلت له مساء اليوم نفسه بطانية بواسطة مرافقي حيدر، وبعد يومين ذهبت لتـفتـيش مبنى السجن فلاقيت ثانية الموقوف (رحمان شه ل) فعاتبني على عدم تزويده بطانية كما وعدته بذلك، فأستغربت من ذلك، وتبين أن الشخص المسؤول عن تلك القاعة للموقوفين وهو شيوعي ايضأ قد استلم البطانية ولكنه لم يسلمها الى الشخص المذكور بل أخذها لنفسه ،وبعد أن عاتبت ذلك الشخص لكونه شاباً، فقد ارسلت بطانية أخرى الى رحمان شه ل، وقد حاولت كثيرأ لدى المكتب السياسي لأطلاق سراح رحمان شه ل وأخيرأ فقد تم اطلاق سراحه قبل أعلان الهدنة بقليل، وفي زيارتي تلك للسجن وجدت في غرفة أخرى ضابط الشرطة ابراهيم الطائي الذي كان مسؤولأ عن شرطة كويسنجق كما ذكرت ذلك، وقد جاملته كثيرأ وقضيت له بعض حاجياته وزودته ورفاقه الموقوفين فى نفس الغرفة ببعض المأكولات من مطعم القصبة، وقد صادفت في نفس الغرفة شخصأ هادئأ ورزينأ بملابس نوم أنيقة وتعارفت معه وتبين أنه رائد الشرطة حميد القاضي، الذي كان مديراً لأمن السليمانية وكان يمدح من قبل أهالي السليمانية ومشهور بمعاملته الحسنة للناس، وشاهدت الشخص المذكور في أوائل السبعينات بعد اتفاق الحادي عشر من آذار سنة 1970 ،وكان مديراً عاماً للكمارك وكان معروفاً بنزاهته وحسن ادارته ومعاملته الحسنة.
“بعد نجاح انقلاب الثامن من شباط سنة 1963وبعد أن حل بالحزب الشـيوعي ما حل من قتل ومطاردة وأعـدامات، تمكن عدد كبير من قادته وأعضائه من الهرب من بغداد والمدن الأخرى ووصلوا الى المناطق التى تحت سيطرة الثورة، ففتح لهم البارزاني أحضانه وأستقبلهم وحماهم من بطش النظام الجديد وكانوا يتجولون ويزاولون نشاطهم الحزبي بكل حرية”
وكذلك كان في الغرفة المدعو (غفور) الذي أجهل أسم أبيه وكان معلما فى مخمور ومن أفراد الحرس القومي، وكذلك الضابط الآثوري في الجيش المدعو (أوية) الذي أسر مع فصيله.
ذهبت مرات أخرى لزيارة السجن وكنت أزور هؤلاء كل مرة وأجـاملهم وأسألهم عن وضعهم وأحتياجاتهم.
بوادر الإنشقاقات
بعد التحاقي بالثورة وخلال الأيام الاولى، وكذلك خلال جولاتي في مناطق بيتواته وسفين وقلعة دزه و ماوه ت، لاحظت وجود بوادر الانشقاق والخلافات بين البارزاني قائد الثورة ورئيس الحزب، وبين بعض أعـضاء المكتب السيـاسي واللجنة المركزية يؤيدهم بعض كـوادر الحزب، ورغم أنني قضيـت الأشهر الأولى من التحاق بالثورة الكوردية في الأماكن التي يسيطر عليها المكتب السياسي وأنصاره، ولم أستمع الى جانب البارزاني ورأيه لكونه متـواجدأ في منطقة أخرى من كوردستان ولم التق به الا بعد التوقـيع على اتفاقية الهدنة فى العاشر من شباط سنة 1964، لكنني لاحظت وجود هذا الخلاف، وقد تألمتُ جداً لهذا الوضع وكنت أفكر دوماً بأن الثورة الكوردية تحتاج الى قيادة البارزاني وحنكته وخبرته وكذلك السمعة الجماهيرية التى يتمتع بها، كما وكنت أفكر فى التنظيم الحزبي الذى يعتبر من دعائم الثورة، وأن أية ثورة وخاصة الثورة الكوردية- لا يمكن ان تستمر بدون مساندة الحزب وتنظيـماته سواء داخل الثورة أو فى المدن الكوردستانية وتوصلت الى قناعة بأن البـارزاني والحزب يكمل أحدهما الآخر وأنهما كتوأمين لا يمكن الفصل بينهما.

وعند وصولي ماوه ت تأكد لدي هذه الخلافات وأطلعت على أول المواقف المتناقضة أو المتباينة بين البارزاني الراحل والمكتب السياسي، فبعد نجاح انقلاب الثامن من شباط سنة 1963وبعد أن حل بالحزب الشـيوعي ما حل من قتل ومطاردة وأعـدامات، تمكن عدد كبير من قادته وأعضائه من الهرب من بغداد والمدن الأخرى ووصلوا الى المناطق التى تحت سيطرة الثورة، ففتح لهم البارزاني أحضانه وأستقبلهم وحماهم من بطش النظام الجديد وكانوا يتجولون ويزاولون نشاطهم الحزبي بكل حرية، أما الذين وصلوا المناطق التي تحت سيطرة المكتب السياسي، فقد تعرضوا للملاحقة والسجن والاعتقال، ورأيت أحدى قاعات السجن في ماوه ت ملأى بالشيوعيين، ومع أن بعض افراد الحزب الشيوعي وكوادره قد اساءوا التصرف في طريقة تعاملهم مع الحزب الديقـراطي الكوردستاني ومع أنه عثر بحوزة بعضهم على منشورات معادية للحزب وفيها تشجيع على تأجيج الخلافات بين البارزاني والمكتب السياسي الا انه كان من الممكن استعمال سياسة أكثر لينة وكان يمكن الاستفادة من العدد القليل من مسلحيهم وضمهم الى قوات الانصار، وأن السياسة المناهضة للحزب الشيوعي كـانت تلقى المعارضة حتى من بعض أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب وأن بعضهم –والحق يقال- كان يستنكر هذه السياسة ويقف ضدها، وصادف ان أطلعت على برقية مرسلة من جلال الطالباني الى أعضاء المكتب السياسي فى ماوه ت يطلب فيها اطلاق سراح الشيوعيين وايقاف الاجراءات بحقهم.
كانت هذه بداية الخلافات بين البارزاني والمكتب السياسي والتى ادت فى النهاية الى الانشقاق المؤلم فى صفوف الحزب والثورة، والتي أثرت سلبا على الحركة التحررية الكوردية وأستمرت آثارها وذيولها الى الآن.
مصير ابراهيم الطائي المؤلم
بعد عدة أيام من ذلك أي في حوالي منتصف شهر تشرين الثاني وبعد أن كنا نسمع من الاذاعة العراقية انباء الخلافات بين مختلف أجنحة حزب البعث في المؤتمر القطري الذي عقد فى بغداد، ذهبت الى السجن وكنت أمزح مع هؤلاء الضباط حول مايدور فى بغداد، وأخيرا اطاح عبدالسلام عارف بشركائه من حزب البعث وانفرد بالحكم، فرأيت ابراهيم الطائي وصديقه غفور فرحين بما حدث وتبـين انهما كانا من القوميين ومن مؤيدي رئيس الجمهـورية عبدالسلام محمد عارف.
بعد ذلك بأيام قليلة وجهت رسالة الى المكتب السياسى وبينت فيها موقف ابراهيم الطائي وكيفية تسليمه مركز شرطة كويسنجق بدون أية مقاومة، وطلبت الموافقة على اطلاق سراحه ووضعه تحت الاقامة الاجبارية في ماوه ت وتحت مراقبتنا. أخذت الرسالة شخصيا معي وتوجهت الى المكتب السياسي وكان ذلك فى نفس اليـوم الذي اغتيل فيه الرئيس الامريكي جون كندي، وبعد أن قضـيت الليلة هناك مبدين أسفنا على اغـتيـال كندي وكان (الملاماطور) ايضأ متواجدأ فى مقر المكتب السياسي وكان أكثرنا أسفأ على اغتيال كندي، وبعد مناقشة طويلة تمكنت من أقناع المكتب السياسي بما طلبته في رسالتي فـيما يتعلق بأبراهيم الطائي، وفي اليوم التـالي عصرأ حصلت على رسالة فـيها الموافقة على اطلاق سراح الموما اليه ووضعه تحت الاقامة الجبرية، وصلت ماوه ت بعد غروب الشمس بحوالي نصف ساعة، وكان فى نيتي التوجه الى مبنى السجن وتبليغ ابراهيم الطائي بنبأ الموافقة على اطلاق سراحه، وفى هذه الاثناء وصل معاون مدير السجن وأخبرني بهروب ابراهيم الطائي والمدعو غفور فذهبت الى مبنى السجن وأوعـزت بالبدء في التحقـيق في الأمر ،وبعد دقائق شاهدنا ابراهيم الطائى يعود الى السجن متكئاً على الحائط ويسحب أحدى رجليه وراءه وينادي في طلب المساعدة، وتبين بأنه قد قفز من سطح البناية الى القسم الخلفي من المبنى التي كانت تعلو عن الارض عدة أمتار، وكسر ساقه لثقل وزنه فأضطر للعودة أما الآخر فقد تمكن من الهرب.
ولما أبلغتهه بحصولي على الموافقة لأطلاق سراحه ابدى أسفه وندمه على فعلته، وكان جرحه بليغاً، حيث أن عظم ساقه قد خرج من جلده فكان ضخم الجثة وثقيل الوزن وأن ساقه لم تتمكن من حمل هذا الوزن الذى هبط من علو شاهق، اما الآخر غفورـ فقد كان نحيل الجسم وخفيف الوزن لذا تمكن من النجاة بسهولة، أرسلت فى طلب الطبيب الوحيد الدكتور حكمت حكيم- في القصبة الذى كان طبيبا عسكريأ أوقف بعد انقلاب الثامن شباط، وعندما كان في أحدى السيارات وتحت حراسة شديدة لنقله الى بغداد لمحاكمته، حيث سبق أن أدلى بشهادته ضد المشتركين في حركة الشواف الفاشلة فى آذار سنة 1959 وكان مصيره الاعدام بصورة حتمية، لولا أن صادفته مفرزة من قوات الانصار اثناء نقله، وكان ذلك في اليوم الثاني للأنقلاب وقبل أعلان الهـدنة فتمكنت المفرزة من أسر أفراد القـوة المرافقة للطبيب الموقوف وانقاذه من الموت المحتم، ولما كان الطبيب المذكور من الحاقدين على أفراد النظام الجديد فقد تردد عن علاج ابراهيم الطائي، لكنه وافق بعد أن طلبت منه ذلك، ولم تكن معالجته بالشكل المطلوب نظرأ لعدم توفر الوسائل الطبيـة والادوية اللازمة، وبعد حوالي الاسبوعين أصيب الموما اليه ب(الكانكرين) الذي أدى الى وفاته، وقد زرته قبل وفاته بيوم واحد وكان قد فقد نطقه ولكنه تبادل معي الاشارات، وقد تأسفت لوفاته كما وأن المكتب السياسي أبدى أسفه لذلك.
“بعد نجاح انقلاب الثامن من شباط سنة 1963وبعد أن حل بالحزب الشـيوعي ما حل من قتل ومطاردة وأعـدامات، تمكن عدد كبير من قادته وأعضائه من الهرب من بغداد والمدن الأخرى ووصلوا الى المناطق التى تحت سيطرة الثورة، ففتح لهم البارزاني أحضانه وأستقبلهم وحماهم من بطش النظام الجديد وكانوا يتجولون ويزاولون نشاطهم الحزبي بكل حرية، أما الذين وصلوا المناطق التي تحت سيطرة المكتب السياسي، فقد تعرضوا للملاحقة والسجن والاعتقال، وأن بعض افراد الحزب الشيوعي وكوادره قد اساءوا التصرف في طريقة تعاملهم مع الحزب الديقـراطي الكوردستاني وعثر بحوزة بعضهم على منشورات معادية للحزب وفيها تشجيع على تأجيج الخلافات بين البارزاني والمكتب السياسي”
لنعد الى السجين الآخر غفور، فقد بعثنا بعض المفارز ولكنهم لم يعثروا على أي أثر له، كما وأخبرنا القرى المجاورة وكذلك القرى الحدودية لكن دون جدوى، وفي اليـوم الثالث راجعنا أحد الرعاة وأخبرنا بأنه قد عثر على جثة أحد الاشخاص فى كهف صغير فى الجبل القريب المشرف على ماوه ت، وبعد أن بعثنا بمحقق ومفرزة من القوات ودابة لنقل الجثة، عاد المحقق محملاً الجثة على الدابة وتبين انها جثة السجين الهارب (غفور) وبعد عرضها على السجناء بعد خلع ملابسه للتأكد من عدم اصابته بأي اطلاق ناري، وقد ظهر من التحقـيق ومن أقوال الشاهد الذي عثر عليه بأنه بعد هروبه ووصوله قمة جبل توقف عن السير، أما خوف أو لعدم التأكد من وجهته وجلس فى ذلك المكان الذى كان عبارة عن حفرة صغيرة في الجبل ونتيجة برودة الجو فقد فارق الحياة وهو جالس القرفصاء متجمداً.