موسى بصراوي
في الحادي والعشرين من فبراير من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للغة الأم، وهو مناسبة أقرّتها منظمة اليونسكو لتسليط الضوء على أهمية التنوع اللغوي والثقافي، وضرورة الحفاظ على اللغات الأم كركيزة أساسية للهوية الإنسانية. في هذا اليوم، نتأمل في قصص اللغات التي صمدت في وجه التحديات، ومن بينها تبرز قصة اللغة الكوردية ، التي تُعد مثالاً حياً على نضال شعب بأكمله للحفاظ على وجوده الثقافي واللغوي في مواجهة سياسات القمع والإنكار. يروي تاريخ هذه اللغة فصولاً من الصمود، وصولاً إلى إشراقة الاعتراف والازدهار في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط. سنوات الصمت والمنع: اللغة الكوردية تحت وطأة الإنكار على مدى عقود طويلة، تعرضت اللغة الكوردية لحملات ممنهجة من القمع والإنكار في العديد من الدول التي يتوزع فيها الشعب الكردي. ففي تركيا، وبعد تأسيس الجمهورية، فُرضت سياسات صارمة تهدف إلى صهر الهويات غير التركية في بوتقة القومية التركية. شمل هذا المنع كل أشكال التعبير باللغة الكوردية ، من التحدث بها في الأماكن العامة، إلى نشر الكتب والمطبوعات، وحتى الاستماع إلى الأغاني الكردية. كانت الموسيقى الكردية، التي تُعد جزءاً لا يتجزأ من الوجدان الكردي، محظورة تماماً، ويعاقب عليها القانون. ورغم أن حظر الموسيقى الكردية رُفع رسمياً في فبراير 1991 في عهد الرئيس تورغوت أوزال، إلا أن القيود على استخدام اللغة في مجالات أخرى ظلت قائمة لسنوات طويلة، وشكلت تحدياً كبيراً أمام الأجيال التي نشأت في ظل هذه السياسات. أما في سوريا، فقد اتبع النظام سياسات مشابهة، وإن كانت بأشكال مختلفة، لتعريب المناطق الكردية وطمس هويتهم اللغوية والثقافية. فمنذ ستينيات القرن الماضي، ومع تطبيق سياسات “الحزام العربي”، مُنع الكرد من التحدث بلغتهم في الدوائر الرسمية والمدارس، وحُرموا من حق التعليم بلغتهم الأم. امتد المنع ليشمل الاحتفالات الثقافية الكردية، مثل عيد نوروز، ومصادرة الأشرطة الموسيقية الكردية، مما أدى إلى تجريم التعبير الثقافي واللغوي للشعب الكردي. كانت هذه السياسات تهدف إلى عزل الكرد عن لغتهم وتراثهم، في محاولة لدمجهم قسراً في الهوية العربية السائدة. العراق: نموذج للاعتراف الدستوري على النقيض من التجارب المريرة في تركيا وسوريا، شهدت اللغة الكردية في العراق تحولًا جذرياً نحو الاعتراف والحماية. فبعد سقوط النظام السابق في عام 2003، وتشكيل الدولة العراقية الجديدة، أُقرت اللغة الكردية كلغة رسمية في الدستور العراقي لعام 2005. تنص المادة الرابعة من الدستور بوضوح على أن “اللغة العربية واللغة الكردية هما اللغتان الرسميتان للعراق”. هذا الاعتراف الدستوري لم يكن مجرد نص قانوني، بل ترجم إلى واقع ملموس، حيث أصبح للكرد الحق في تعليم أبنائهم بلغتهم الأم في المؤسسات التعليمية، وتُستخدم اللغتان في الوثائق الرسمية، جوازات السفر، العملات، والطوابع. لقد أصبحت اللغة الكردية جزءاً لا يتجزأ من النسيج اللغوي والإداري للدولة العراقية، مما يمثل انتصاراً كبيراً لنضال الشعب الكردي من أجل حقوقه اللغوية والثقافية. التحولات في تركيا وسوريا: انفراجات وتطلعات جديدة في تركيا، بدأت ملامح الانفراجة تظهر تدريجياً خلال العقدين الماضيين. فبعد سنوات طويلة من الحظر الشامل، سُمح بإنشاء قنوات تلفزيونية تبث باللغة الكردية، مثل قناة TRT Kurdi الحكومية، كما أُتيحت الفرصة لتدريس اللغة الكردية كمادة اختيارية في بعض المدارس. هذه الخطوات، وإن كانت لا تزال تواجه تحديات سياسية واجتماعية، إلا أنها تمثل اعترافًا متزايداً بوجود اللغة الكردية وحق الكرد في استخدامها وتعلمها. هذه الانفراجات تعكس تحولاً في الخطاب الرسمي تجاه القضية الكردية، وإن كان التقدم بطيئاً ومتقطعاً. أما في سوريا، فقد شهدت الأوضاع تحولاً دراماتيكياً بعد عام 2011. فمع اندلاع الأزمة السورية، وسيطرة الكرد على مناطقهم في شمال وشرق البلاد، أتيحت لهم الفرصة لإنشاء إدارات ذاتية وبناء مؤسساتهم الخاصة. كان من أبرز هذه الإنجازات إنشاء نظام تعليمي خاص باللغة الكردية، حيث أصبحت اللغة الكردية لغة تدريس أساسية في المدارس، إلى جانب العربية. هذا التطور يمثل ثورة حقيقية في تاريخ اللغة الكردية في سوريا، حيث انتقلت من لغة محظورة إلى لغة تعليمية رسمية في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، مما يضمن للأجيال الجديدة حقها في التعلم بلغتها الأم والحفاظ على هويتها الثقافية. المرسوم رقم 13: خطوة نحو الاعتراف الكامل في سياق هذه التحولات، برز مؤخراً في سوريا “المرسوم رقم 13” لعام 2026، والذي أصدره رئيس الجمهورية المؤقت. يمثل هذا المرسوم نقطة تحول تاريخية، حيث يقر رسمياً بأن الكرد جزء أصيل من الشعب السوري، ويعترف بحقوقهم الثقافية واللغوية.
ينص المرسوم على التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم، وتنمية فنونهم، وتطوير لغتهم الأم في إطار الوحدة الوطنية. هذا المرسوم، الذي يُنظر إليه كأول اعتراف رسمي بالحقوق الكردية في التاريخ القانوني السوري، يشير إلى انتقال نوعي من مقاربات الإقصاء القومي إلى قومية أكثر شمولاً واعترافاً بالتنوع. بناءً على هذا الزخم، يسعى الكرد في سوريا اليوم ويعملون جاهدين من أجل إدراج اللغة الكردية كلغة رسمية ثانية في البلاد. هذا التطلع يعكس رغبة عميقة في ترسيخ مكانة اللغة الكردية على المستوى الوطني، وضمان حقوق الأجيال القادمة في التعبير عن ذاتها والتعلم بلغتها الأم دون قيود. إن الاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية ثانية لن يكون مجرد انتصار رمزي، بل سيكون له تأثيرات عملية عميقة على التعليم، والإدارة، والإعلام، مما يعزز من مكانة الكرد كشريك أساسي في بناء مستقبل سوريا. خاتمة: اللغة الكردية جسراً للسلام والتنوع في اليوم العالمي للغة الأم إن مسيرة اللغة الكردية، من سنوات المنع والقمع إلى إشراقة الاعتراف والازدهار، هي شهادة حية على قوة الصمود البشري وأهمية الحفاظ على التنوع الثقافي واللغوي. في اليوم العالمي للغة الأم، يجب التأكيد على أن اللغات الأم هي الحصن الأخير للهويات الوطنية والثقافات الفريدة في عالم يتجه نحو العولمة. إن الاعتراف باللغة الكردية وحمايتها، ليس فقط حقاً للكرد، بل هو إثراء للمشهد الثقافي واللغوي للمنطقة بأسرها. ومع استمرار الجهود لترسيخ مكانتها، يمكن للغة الكردية أن تكون جسراً للسلام والتفاهم، ومثالًا يحتذى به في احترام التنوع والتعايش المشترك في الشرق الأوسط، مؤكدة أن لكل لغة صوتها الذي يستحق أن يُسمع ويُحتفى به.