الصحفي حيدر فليح الشمري
لم تعد تطورات المشهد الإقليمي تُقرأ وفق معادلات الردع التقليدية ، بل باتت تشير إلى خلل بنيوي في تقدير الموقف لدى بعض مراكز القرار ، ما جرى أخيرًا يوحي بأن التصعيد لم يكن ضمن حسابات دقيقة ، وأن ردود الفعل جاءت متأخرة أو متخبطة ، وهو ما يعكس فجوة بين التقدير الاستخباري والواقع العملياتي .
التصريحات الصادرة عن دونالد ترامب و نتنياهو حملت نبرة تصعيدية واضحة ، إلا أن طبيعتها تكشف أنها أقرب إلى إدارة أزمة داخلية منها إلى إعلان تفوق استراتيجي ، فالدول المنتصرة لا تكثر من التبرير ، بل تفرض سرديتها بهدوء ، أما حين تتكاثر التصريحات المتوترة ، فغالبًا ما يكون ذلك انعكاسًا لارتباك في الميدان .
حادثة سقوط مقاتلات F-15 في الكويت – إن ثبتت فرضية الاستهداف الخارجي ، لا يمكن إدراجها ضمن إطار “ الخطأ العابر ” دون تحقيقات شفافة ، إذ إن تكثيف الضربات الجوية على محيط إسرائيل بعد ساعات من الحادثة يطرح تساؤلًا مشروعًا :
هل كان الرد محاولة لاحتواء أثر ضربة غير محسوبة ؟
في الاستراتيجية العسكرية ، توقيت الرد يكشف أكثر مما تكشفه البيانات الرسمية .
في المقابل تبدو طهران وكأنها انتقلت من موقع الدفاع إلى إدارة الاشتباك وفق مبدأ “ توزيع الكلفة ” أي ضرب نقاط حساسة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة ، هذا النمط يعكس إدراكًا بأن المعركة ليست عسكرية فحسب ، بل نفسية وسياسية أيضًا ، فالهدف ليس الحسم الفوري ، بل إرباك الخصم واستنزافه على المدى المتوسط .
أما السؤال الخليجي المتداول حول أسباب انخراط واشنطن العميق في حماية أمن إسرائيل مقارنة بتعاملها مع حلفائها العرب ، فهو سؤال يرتبط بطبيعة التحالفات لا بشعاراتها ، العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية ليست اتفاقية دفاع تقليدية ، بل شراكة استراتيجية متجذرة في البنية السياسية الأمريكية ذاتها ، لذلك فإن أي تهديد يمس إسرائيل يُقرأ في واشنطن كتهديد مباشر لمصالحها العليا ، بينما تُدار أزمات الحلفاء العرب ضمن حسابات أكثر براغماتية .
الحديث المتكرر في الإعلام الإسرائيلي عن “ شرق أوسط جديد ” يمتد فيه النفوذ من الفرات إلى النيل لا يمكن فصله عن الخطاب الأيديولوجي لبعض التيارات داخل إسرائيل ، لكنه في الوقت ذاته يصطدم بوقائع جيوسياسية صلبة ، فالمنطقة ليست فراغًا جغرافيًا ، بل شبكة توازنات معقدة ، وأي محاولة لإعادة رسم حدود النفوذ بالقوة ستفتح أبواب استنزاف طويل لا يمكن ضمان نتائجه .
النتيجة الأهم في هذه المرحلة أن مفهوم الردع المتبادل يتآكل ، حين تُضرب قواعد ، وتُستهدف سفارات ، وتسقط طائرات ، ثم يستمر التصعيد دون حسم ، فإننا أمام مرحلة “ اختبار الإرادات ” لا “ حسم الجيوش ” وهذا النوع من الصراعات يُحسم بقدرة الأطراف على الصبر الاستراتيجي أكثر من قدرته على إطلاق النار .
المشهد الحالي لا يشي بانتصار سريع لأي طرف ، بل بإعادة تشكل موازين القوى. ، ومن يقرأ اللحظة بعين باردة يدرك أن المنطقة تدخل طورًا جديدًا ، عنوانه :
من يملك القدرة على إدارة الفوضى ، لا من يطلق الشرارة الأولى .