اعداد: عدنان رحمن
في كتاب بعنوان ( محكوميتي) الصادر عن دار سطور ببغداد– العراق– 2023 للكاتب سلمان الصفواني، الذي كان ( السجين السياسي رقم 518/ 63 في السجون في العهد الملكي في العراق).وهي مجموعة رسائل بعثها الصفواني لزوجته وهو في السجن وقد رقمّها بالتسلسل. ومنها بالرقم 43 وَلوَلة! في آب 1936، التي ورد فيها ما يختص بعنواننا:
– ” عزيزتي: صدرت الارادة الملكية بالغاء ( المجلس العرفي العسكري) في الديوانية، وكان هذا الالغاء منتظرا بعد ان رأت الوزارة الهاشمية ان بقاء ( الادارة العرفية) قائمة في الفرات الاوسط مما يزيد الموقف حراجة. وهدأت العاصفة اثر ذلك نوعا ما، وان كان سيف الارهاب لا يزال مصلطا على الرؤوس، وتطاولت الاعناق بعد هذا في انتظار ( مرسوم العفو) عن المحكومين السياسيين. ولكن هل يصدر مرسوم عفو عام ام خاص؟. هذا ما كان يتساءل عنه الناس، وتدور احاديثهم عليه، واما الاخبار الخاصة التي كانت ترد الينا في السجن ففيها كثير من الاختلاف والتناقض، غير انها في مجموعها تدل على ان فكرة ( العفو العام) تدور في ذهن الوزارة، ولكنها تلقى معارضة من بعض الجهات. والاشخاص الذي تلذ لهم رؤية البلاد في اضطراب دائم، وقلق مستمر، وهؤلاء حين يعارضون فكرة العفو العام لا يتوخون مصلحة عامة وانما يغرون الحكومة بالباطل، ويحببون اليها السياسة الفاشلة والخطأ الفاضح في وثوب قشيب. وخلاصة ما يحتجون به في ادعام رأيهم: ( ان الاسراع في اصدار العفو العام يعلن ضعف الحكومة تجاه الاحداث ويغري الثوار على الاسترسال والتمادي في مقاومة الحكومة وانتهاك حرمة الامن والنظام، وبالتالي تفقد الحكومة هيبتها في نظر الشعب!). ولا نكران ان في هذا الرأي وجها من الحق في ناحيتيه الادارية والسياسية، بيد ان قوة الحكومة وهيبة القانون وحرمة النظام لا يجب ان تتمثل في اعمال العنف والجور، بل تتجلى القوة والهيبة والنظام في سياسة العدل والانصاف وعدم التحيز والمحاباة وما الى ذلك. لقد رأى الناس ان الحكومة القائمة حكومة افراد لا حكومة شعب، ورأوا ان الخطر يتهدد مصالحهم فثاروا. ورأت حكومة الافراد ان تحكم الشعب بالحديد والنار ففعلت، وارادت فوق ذلك ان تطاطىء الرأس ذلّة. وان نعترف بان حكمها عدل، وان عبثها حكمة ورشاد وهذا لا سبيل اليه في قطر أبي كالعراق الباسل. وكيفما كان الحال، فان فكرة العفو العام تتردد على اذهان المسؤولين وهم مضطرون الى التفكير في هذه الناحية كعلاج لاستقرار الامور، وهدوء الاوضاع. واغلب الظن ان النظر في ذلك لا يتم قبل اجتماع المجلس النيابي في تشرين. اما الآن فمن المتيقن ان يصدر عفو خاص عن بعض المحكومين السياسيين. ويقال في السجن ان لسفر رئيس الوزراء للجنوب، وسفر وزير الداخلية للشمال علاقة قوية بأمر العفو. وقد اتصل بنا ايضا ممن زارونا في السجن، ان بين الهاشمي والكيلاني مساومة في قضية العفو ستسفر عن اطلاق سراح قسم من المحكومين. وقد دلت البوادر على ذلك اذ طلب من ادارة السجن ان تعد قائمة باسماء المحكومين من البارزانيين والايزيديين، ومن جملتهم بعض الاحداث في مدرسة السجن الاصلاحية. جميع السجناء يتطلعون الى 8 ايلول، ويأملون ان تصدر في هذا اليوم- بمناسبة عيد التتويج- مرحمة ملكية تخفض مدة محكومياتهم. غير انهم في خلال السنتين الاخيرتين صاروا يرتابون في امكان الحصول على المراحم الملكية. ويظن اكثرهم ان المحكومين في المجالس العرفية زاحموهم على هذه المراحم، اذ اخذت الحكومة تخصهم بها دون بقية المسجونين، وانهم صاروا سببا في حرمانهم منها، فوجود المحكومين السياسيين في السجن شؤوم على السجناء. فقد حاولت جهدي ان افند هذا الوهم الخاطىء، فالمراحم الملكية لا علاقة لنا بها ونحن لا نستفيد منها. والفرق كبير بين العفو والمرحمة، فالاول ينهي مدة المحكومية وقد يمحي الجريمة، اذا كان عفوا عاماً. أمّا المرحمة فكل ما فيها تقليل مدة المحكومية. وتوالت الرسل تبشرنا بالفرج القريب، وكان اول رسالة تحريرية تلقيتها بهذا المآل بطاقة من سماحة العلامة الجليل السيد هبة الدين الشهرستاني. واسرعت الى رفقائي اعرض عليهم البشرى فسروا للخبر ولكنهم ظلوا في شك، فمن هم الذين سيشملهم العفو الخاص؟. كل واحد منا يقول في نفسه ( انا). وكانت وعود الوزراء لذوينا والتمصلين بنا ومن يعملون لاجلنا مجملة عامة. وكان للوزراء خطة غريبة مع الناس خلاصتها، سيل جارف من الوعود ضاقت بها الصدور ذرعا. فما عاد الناس يصدقون صغيره ولا كبيره. وكان الناس من جراء ذلك يقرأون الصحف فيمزقونها. ويستمعون الى الاذاعة فينالون من القائمين بها ويطالعون البيانات الرسمية فيضحكون مما تبثه لكثرة ما فيها من متناقضات وامور تخالف الحقيقة، وتنافي المحسوس!“.
وايضاً ورد في الرسالة رقم 30– القوة الرابعةمعلومات بهذا الشأن حول قيام البارزانيون بالثورة ضد سلطة الحكومة الملكية في العراق:
– ” عزيزتي: أنتِ أعرف الناس بولعي بقراءة الصحف على اختلاف نزعاتها، وقد كنت لا أفتح عينيَّ في الصباح إلا على جريدة أو أكثر، أستطلع منها أنباء القطر، وأتسقط أخبار العالم، وإني أستقصي ما تنشره الصحف استقصاءً تاما، فأكرر مطالعتها ثانية وثالثة لئلا يفوتني شيء مما فيها.ولعل ذلك ضروريٌّ للمشتغلين بالسياسة والصحافة معا. وهذه مكتبتي تجمع أكواما من الصحف؛ جرائد ومجلات أحار في نقلها وتنسيقها عندما أضطر إلى التحول من دار إلى دار. وكثيرا ما كنت تعترضين على احتفاظي بهذه الرزم المكدسة في الصناديق المحشوة في الأكياس منذ سنين وهي تتضاعف كل يوم. أجل، أنت أعرف الناس بذلك، ولا غرابة فيه، فقد سلخت نحو خمس عشرة سنة في خدمة ( صاحبة الجلالة) كما يقولون، مديرا لها ومحرِّرا فيها، وقد غذيتها بعصارة فكري وشعاع بصري، وكرست لها قلبي وقلمي، وأنفقت في سبيلها مالي وجهودي. أما الآن فمن لي بالجرائد التي أتلهف عليها وأتأفأف منها في وقت واحد! من لي بهذه التي أصبو لها وأزهد فيها في وقت واحد أيضا. من لي بهذه المحبوبة البغيضة وأنا في قواويش القلاع وغياهب السجن؟. من لي بها وإدارة السجن تمنع الصحف عنَّا، وتحرِّم دخولها علينا، فماذا بقي مما يصل بيننا وبين العالم من صلات فكرية غير الصحافة أو الراديو، فإذا انعدمت هذه الصلة انقطعت كل علاقة للسجين بالمجتمع. لذلك كنت أحس بكرب عظيم يحز في نفسي حزًّا، إذ ليس من اليسير على سجين مثلي أن يعزل عن العالم بهذه الطريقة، مع أن الصحف الممنوعة عنا لا تصدر في موسكو عاصمة الشيوعية ولا روما محور الفاشية، بل إنها صحف عراقية تصدر في بغداد على مرأى من الحكومة ومسمع. صحف تُشرف مديرية الدعاية والنشر على نشرها وصدورها حتى صارت كلها على مثال واحد شكلا وموضوعا وأسلوبا. إنها على العموم في هذه الفترة المظلمة صحف موالية مؤيدة. وبقول صريح ( حكومية) فلماذا لا يسمح لنا- نحن السجناء- بقراءتها والاطلاع عليها؟ كنا نستغرب ذلك ولا نفهم له سببا معقولاً، فنتساءل فيما بيننا ساخرين: ( أثورية هذه الصحف فتحمل السجناء على الثورة؟ أحرة فيتعلم السجناء منها معاني الحرية؟). ولا يعدم السجناء ظريفا من بينهم يجيب: ( كلا. بل مجرمة قد يتلقى السجناء من خطتها ما لا يعرفون من الإجرام!). إيه!.. لقد بعد عهدنا بصحف الثورة والحرية، وإنه لمن المؤسف حقًّا أن نذكر الآن حرياتنا السياسية إلى جانب عهدي الاحتلال والانتداب البريطاني. حيث كنا نتمتع بحرية عامة في الاجتماع والصحافة، وإني لأتذكر بمرارة ما كنت أكتبه شخصيًّا في ذينيك العهدين من المقالات النارية في الجرائد الوطنية كالاستقلال والوطن ونداء الشعب وغيرها. ضد السياسة البريطانية والوزارات القائمة تحت نفوذها، فلا تحرك ( دار الاعتماد البريطاني) في الكرخ ساكنا، بل كانت تقابل حملاتنا العنيفة بما عرف عن الإنجليز من ( برودة الدم) ورحابة الصدر. وكيف إنَّا أمسينا- بعد زوال ذلك العهد البغيض- لا نستطيع أن نفوه بكلمة ولا ننطق بحرف، فإن تكلم أحدنا عن أمر أو نشر رأيا كان جزاؤه ما ترين من سجن وعذاب. وكيفما كانت حال صحفنا اليوم، فإنه لا يمكن الاستغناء عنها. ونحن في هذه العزلة الموحشة في السجن، والثورات مضطرمة نيرانها في الفرات الأوسط، والمجالس العرفية تبعث في الناس أفواجا إلى المنافي والمشانق والسجون. فلا بدَّ إذا من الحصول على الصحف للوقوف على أخبارها ومتابعة الحوادث والأحوال. وقد كان بعض أصدقائي من الموظفين في الداخلية وبعض الأطباء في المستشفى الملكي يرسلون لي بعض الجرائد والمجلات فيصادرها الحرس على الباب ولا يصلني من الأنباء إلا ما تهمسه الأفواه في الآذان. لقد علمتنا الحاجة ما هي الحيلة، فاحتلنا على سلطات السجن، وجاءت الصحف تترى إلينا في السر حيث لا تبصرها عين ولا تمتد لها يد، فلا يحين المساء إلا وقد قرأها فريق من السجناء. على أن الأخبار المهمة لا يمكن أن تستقى من هذه الجرائد؛ لأنها لا تنشر بطبيعة الحال إلا ما يوافق الحكومة، ومع ذلك فقد كنا نستحصل الحوادث من مصادر أخرى لا يمكن أن يحال بيننا وبينها أبداً.ذلك أنه لا بدَّ في كل يوم من ضيوف جدد للسجن من صغار المجرمين المحكومين بالحبس البسيط لمدد قصيرة، وأغلب هؤلاء من خدم البيوت وسواق السيارات، ومن على شاكلتهم فيحملون إلينا ما وعوه من أحاديث المقاهي والبيوت والدوائر والشوارع. وكثيرا ما يكون في ما يحكيه هؤلاء أصدق الأخبار وأحدث الوقائع. وقد يكون فيها كثيرٌ من الأراجيف- ولكنهم كانوا على كل حال- ينقلون إلينا صورا ماتعة رائعة مما يسود الجو السياسي والفكري في العاصمة وأنحاء القطر. ولا يصعب علينا الاستنتاج في هذا المقام، والمعروف عن العراقيين أنهم يقرأون ( الممحي) والأبيض. كنت أتميز من الغيظ كلما قرأت تلك الجرائد، لا لأنها تخفي الحقائق وتداجي الحكومة فحسب. بل لأنها كانت تلقي الحطب على النار، وتزيد الطين بلة، فكانت تصف القبائل الثائرة بأبشع الصفات وتلصق بهم أشنع التهم، ولا تتورع أن ترميهم بالخيانة العظمى. وكانت تحرض الحكومة من جهة ثانية على التنكيل بهم إلى أقصى حدٍّ. مما حمل الحكومة على الاعتقاد بأن سياسة اللين والتفاهم مظنة الضعف والعجز والخوف. وهكذا عومل الثوار بأشد ما عرف من القسوة، وهكذا امتد الشر واتسع الخرق على الراقع!. فلم يقتصر الضرر على المحاربين وحدهم، بل أصاب غير المحاربين أيضا، وقتل كثيرون صبرا رميا بالرصاص من دون محاكمة (1)، كما شنق غيرهم ممن لم يكونوا في العير ولا في النفير!. إلى غير ذلك مما عرفه العراقيون جميعا. كان على الجرائد أن تقف موقفا شريفا في النزاع بين الشعب والحكومة فتستمع إلى حجج الفريقين وتدرس عوامل الحوادث ومسبباتها، ثم تؤيد ما كان منها حقًّا، وتشجب ما ليس بحق، أكان ذلك للحكومة أم عليها، وللشعب أم ضده. إذ لا يعقل أبدا أن تنشب ست ثورات خلال ثمانية عشر شهرا في جنوب العراق وشماله عند العرب والكورد والأيزيدية من دون أسباب موجبة. أو من دون أن تكون في هذه الأسباب شيء من المنطق والحق؟!. بيد أنها لم تفعل شيئا من هذا مع الأسف، ولو فعلت لدفعت عن العراق شر هذه المجازر، أو لخفَّفت من ويلاتها على الأقل“.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- من بين هؤلاء ممن عرفناهم: ديوان بن زيارة وولد جابر بن ديوان وهما من فرقة الزرفات من عشيرة بني زريج وعناد بن مظلوم من فرقة المصال. وحرب بن شرار من فرقة العمارين وزبالة بن وداح من فرقة العواتي وجابر بن حسان وهو عبد من عبيد الشيخ حوام العبد عباس وحاجم السلطان من آل شويجة وجابر الحمادي من آل وخان ونجم العبد العباس وهو شقيق الشيخ خوام وحسين بن إيدام. وقد فر هذا بجروحه البليغة من الرصاص حيث سلَّم روحه في المشخاب من شدة النزيف الدموي. وجميع هؤلاء من عشيرة بني زريج. وهناك غيرهم لم تتصل بنا أسماؤهم. وثمة فريق سيقوا إلى المجلس العرفي فبرِّئت ساحتهم ولكنهم قتلوا بعد ذلك بأساليب أخرى، وأمرهم معروف!.
