البارزاني الخالد و تدويل القضية الكوردية

أ.د خليل مصطفى عثمان

تمثل مذكرة 11 تشرين الأول/أكتوبر 1969 التي بعث بها الملا مصطفى البارزاني إلى الامم المتحدة ،واحدة من أبرز المحاولات المبكرة لتدويل القضية الكوردية ضمن إطار القانون الدولي. فالوثيقة لا تكتفي بسرد وقائع الصراع بين الحركة الكوردية والحكومة العراقية منذ عام 1961، بل تسعى إلى إعادة تعريفه بوصفه قضية تتجاوز حدود “الشأن الداخلي” لتدخل في نطاق مسؤولية المجتمع الدولي.

يعتمد النص على ثلاثة مرتكزات رئيسية. أولها البعد القانوني، إذ يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حقوق الإنسان، ويصوّر ما يجري باعتباره انتهاكًا لهذه القيم العالمية. ثانيها البعد الإنساني، من خلال التركيز على معاناة المدنيين واستخدام أسلحة مدمرة، بما يهدف إلى تحريك الضمير الدولي وإضفاء طابع أخلاقي على المطالبة بالتدخل. أما المرتكز الثالث فهو البعد السياسي، حيث يؤكد أن استمرار الحرب يهدد الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط، في محاولة لربط القضية الكوردية بالأمن الدولي الأوسع.

لغة الوثيقة تجمع بين الخطاب الدبلوماسي الرسمي والنبرة الاحتجاجية الحادة، وهو توازن يعكس رغبة في الحفاظ على شرعية المرافعة أمام منظمة دولية، مع إيصال رسالة قوية عن خطورة الوضع. كما تكشف المذكرة عن انتقال الحركة الكوردية في تلك المرحلة من التركيز على المواجهة العسكرية الميدانية إلى استخدام أدوات الضغط السياسي والقانوني الدولي.

وباختصار، فإن أهمية الوثيقة لا تكمن فقط في مضمونها، بل في دلالتها التاريخية؛ إذ تمثل خطوة واضحة نحو إدراج القضية الكوردية ضمن الخطاب الدولي لحقوق الشعوب، وتكشف عن وعي مبكر بأهمية الرأي العام العالمي والمؤسسات الأممية في مسارات الصراع والحلول السياسية.

فيما يلي ترجمة حرفية للنص الوارد في الوثيقة:

الجنرال مصطفى بارزاني، القائد العام للجيش الثوري الكوردي ورئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني (العراق).
11 تشرين الأول/أكتوبر 1969

إلى
صاحب السعادة يو ثانت، الأمين العام للأمم المتحدة،
صاحب السعادة رئيس الدورة الرابعة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة،
لجنة حقوق الإنسان،
المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC)،
لجنة تصفية الاستعمار،
منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

يشرفني أن أقدم إلى سعادتكم هذه المذكرة بشأن الوضع المأساوي في كوردستان العراق.

لم يحدث قط في تاريخ الأمم المتحدة، التي يتمثل هدفها في «إنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب»، أن تجاهلت بشكل كامل حربًا استمرت ثماني سنوات كما هو الحال في قضية الحرب العنصرية التي يشنها حكام العراق ضد الشعب الكوردي – وذلك رغم نداءاتنا المتكررة إلى أعلى منظمة دولية.

لقد بدأت حرب العدوان هذه ضد الشعب الأعزل في كوردستان في 11 أيلول/سبتمبر 1961. ومنذ ذلك الحين حكم العراق خمس دكتاتوريات شوفينية متعاقبة، وقد واصلت كل واحدة منها الحرب على نطاق كامل.

إن مدة هذه الحرب تقل بقليل عن مجموع مدة الحربين العالميتين الأولى والثانية معًا. والأسلحة ووسائل التدمير التي تستخدمها القوات المسلحة العراقية هي من أحدث الأنواع وتشمل، من بين أمور أخرى: النابالم، والسموم، وكل أنواع القنابل الحارقة والمواد الملتهبة. ومن الجدير بالملاحظة أن أدوات الإبادة هذه تُستخدم من قبل واحدة من أكثر الدول قسوةً وشرًا ولا مسؤولية، ليس فقط لذبح الناس وتدمير مساكنهم، بل أيضًا لحرق محاصيلهم وقتل مواشيهم بواسطة مواد كيميائية تحمل الرمز MM/B/Memoo9-UN/11069/FA.tr.LS/fEN.

إن سبب حرب الفظائع هذه هو أن شعبنا يريد الحفاظ على لغته وثقافته ووحدته، ويرفض التغيير القسري لجنسيته.

إن المجازر وحرق النساء والأطفال والشيوخ أحياءً، وغيرها من الأفعال البشعة التي يرتكبها القادة البعثيون ضد شعبنا، تشكل انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة.

لقد عومل كورد العراق دائمًا كمواطنين من الدرجة الثانية. وفي ظل الظروف الراهنة، فإن المواطن الكوردي ليس محرومًا من جميع حقوق الإنسان فحسب، بل مهدد في وجوده وبقائه.

إن الهيمنة العراقية على كوردستان واستغلالها يُظهر وجهًا أبشع حتى من أبغض أشكال الاستعمار. وإن كون لون بشرة الحكام العراقيين داكنًا لا ينبغي أن يكون كافيًا لإنكار طابعهم الاستعماري.

كما ينبغي ملاحظة أن الحرب في كوردستان اليوم تهدد السلام والأمن في الشرق الأوسط أكثر من أي وقت مضى.

واستنادًا إلى الأسباب المذكورة أعلاه، وبما أن دولة العراق لم تجد حلًا سياسيًا ولا عسكريًا للمشكلة، فإن الحرب التي تُشن ضد شعبنا لا يمكن اعتبارها شأنًا داخليًا، كما قد يدعي النظام العراقي؛ إذ كيف يمكن لحرب استمرت ثماني سنوات أن تبقى شأنًا داخليًا؟

وأجدد ندائي إلى الأمم المتحدة، ولجانها وأعضائها:
ممارسة الضغط على دولة العراق لإنهاء الحرب الإبادة الجماعية في كوردستان،
أو على الأقل اتخاذ قرار بإرسال لجنة تحقيق ووسيط إلى كوردستان،
والمساعدة في حل هذه المشكلة الحادة في الشرق الأوسط.

يرجى قبول، يا صاحب السعادة، فائق احترامي وتقديري.

مصطفى بارزاني
رئيس المجلس القيادي للثورة – كردستان

قد يعجبك ايضا