بين الاستنزاف والتصعيد : قراءة في تكتيك إيران واحتمالات الرد .

الصحفي حيدر فليح الشمري

مع اتساع رقعة الاشتباك غير المباشر بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين ، تبدو ملامح المرحلة الحالية أقرب إلى “ حرب استنزاف محسوبة ” منها إلى مواجهة شاملة مكتملة الأركان ، فالمعطيات الميدانية تشير إلى اعتماد طهران على مزيج من الصواريخ التقليدية القديمة نسبيًا ، إلى جانب المسيّرات الانتحارية منخفضة الكلفة ، في توجيه ضربات نحو قواعد أمريكية في الإقليم ، في خطوة تبدو أقرب إلى اختبار منظومات الدفاع الجوي واستنزافها تدريجيًا .
هذا الأسلوب ليس جديدًا في العقيدة العسكرية الإيرانية ، إذ يقوم على مبدأ “ إغراق الدفاعات ” بعدد كبير من الأهداف الرخيصة نسبيًا ، بهدف كشف الثغرات وإرهاق البطاريات الاعتراضية التي تعتمد عليها القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة ، في المقابل تشير تقارير متعددة إلى استخدام صواريخ فرط صوتية أو شبه فرط صوتية ضد أهداف داخل إسرائيل ، وهو تصعيد نوعي إن ثبتت دقته العملياتية ، لما تحمله هذه الصواريخ من قدرة على تقليص زمن الإنذار وتعقيد عملية الاعتراض .
السؤال المحوري هنا :
هل ما نشهده هو تمهيد لهجوم أوسع متعدد المحاور ، أم أنه سقف القدرة الإيرانية في ظل الضربات الجوية المكثفة على أجوائها ومنشآتها ؟
من الناحية النظرية تمتلك إيران أوراق ضغط إضافية لم تدخل بعد بكامل ثقلها ، أبرزها سلاحها البحري غير المتكافئ ، القائم على الزوارق السريعة والألغام البحرية والصواريخ الساحلية والغواصات الانتحارية ، ورغم ما تردد عن خسائر في بعض القطع البحرية ، إلا أن العقيدة الإيرانية في هذا المجال لا تعتمد على القطع الثقيلة بقدر اعتمادها على تكتيكات الإرباك والإغلاق المؤقت للممرات الحيوية ، خصوصًا في مناطق حساسة مثل الخليج العربي ، دخول هذا السلاح بشكل مباشر إلى المواجهة سيعني انتقال الاشتباك إلى مستوى استراتيجي يمس أمن الطاقة العالمي ، وهو قرار ذو كلفة سياسية عالية .
في المقابل لا يمكن إغفال تأثير الطلعات الجوية المكثفة التي تستهدف البنية التحتية العسكرية الإيرانية ، استمرار الضغط الجوي قد يحدّ من قدرة طهران على تنسيق هجوم واسع ومركّب يتطلب جاهزية لوجستية واتصالات آمنة ومخازن سليمة ، فالهجوم الكاسح ، إن حدث ، يحتاج إلى عنصر مفاجأة وتماسك في القيادة والسيطرة ، وهي عناصر تتآكل عادة تحت وطأة الضربات الاستباقية .
من زاوية أخرى، قد يكون التصعيد التدريجي جزءًا من إدارة محسوبة للإيقاع ، بحيث تبقي إيران سقف المواجهة دون الانزلاق إلى حرب شاملة مع الولايات المتحدة ، مع توجيه رسائل ردع مدروسة ، فالتصعيد الكامل ضد القواعد الأمريكية يعني عمليًا استدعاء رد مباشر قد يتجاوز حدود الاشتباك الحالي .
السيناريوهات المحتملة لليلة أو الأيام المقبلة تنحصر بين ثلاثة مسارات :
1 – تصعيد محدود محسوب ، يستهدف مواقع بعينها لإدامة الضغط دون فتح جبهات كبرى .
2 – هجوم متعدد المحاور ، يشمل أدوات بحرية وصاروخية أوسع ، وهو خيار عالي المخاطر .
3 – إبطاء الإيقاع العملياتي ، نتيجة الضربات الجوية ، مع الاكتفاء بعمليات متقطعة للحفاظ على الردع .
في النهاية ما يجري ليس مجرد تبادل نيران ، بل صراع إرادات واستنزاف أعصاب ، المعركة الحقيقية قد لا تُقاس بعدد الصواريخ ، بل بقدرة إيران على فرض معادلة ردع جديدة دون أن تُدفع إلى حرب لا تريدها بالكامل ، وفي هذا التوازن الدقيق ، يصبح التوقيت هو السلاح الأهم بقدر أهمية الصاروخ نفسه .

قد يعجبك ايضا