الحدود البحرية المتنازع عليها بين الدول خور عبد الله أنموذجا

اعداد ـ التآخي

أثيرت في الآونة الأخيرة من جديد مشكلة ترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت، ما سببالتجاذبات بين البلدين بشأن الدعامات البحريةومدى الملاحة البحرية في الخليج وغيرها من الإشكالات.

ان مفهوم الحدود البحرية بين الدول في القانون الدولي، وكيفية تحديدها وترسيمها لتحقيق السلام ومنع التجاوزات ودرء اسباب الاشتباكات المحتملة وتحقيق الاستقرار في المناطق المتنازع عليها، يعد من أعقد الملفات القانونية والسياسية، وهو يتجاوز مجرد رسم خطوط على الخارطة ليصل إلى حقوق السيادة، والموارد الطبيعية، وحرية الملاحة.

​لا تبدأ الحدود البحرية من نقطة واحدة، بل تُقسم إلى مناطق تزداد فيها سيادة الدولة أو تقل كلما ابتعدنا عن الساحل، و المياه الإقليمية، تمتد لمسافة 12 ميلا بحريا من خط الأساس، تمارس الدولة فيها سيادة كاملة (كأنها أرض)، مع السماح بـ “المرور البريء” للسفن الأجنبية، اما ​المنطقة المتاخمة فتمتد لـ 12 ميلا إضافيا، وللدولة فيها حق الرقابة لمنع مخالفة قوانين الجمارك والهجرة والصحة؛ اما ​المنطقة الاقتصادية الخالصة فتمتد حتى 200 ميل بحري؛ هنا لا تملك الدولة سيادة كاملة، بل “حقوقا سيادية” لاستغلال الموارد (صيد، نفط، غاز).

ويبرز هنا مصطلح الجرف القاري وهو امتداد اليابسة تحت الماء، وللدولة حقوق حصرية في استخراج الثروات المعدنية منه.

و​عندما تتداخل هذه المناطق (كما في حالة الخليج العربي لضيق مساحته)، يلجأ القانون الدولي إلى خط الوسط أو التساوي و ​هو القاعدة العامة، حيث يجري رسم خط تكون كل نقطة فيه على أبعاد متساوية من أقرب النقاط على خطوط الأساس لكلا الدولتين.

و ​أحيانا يكون “خط الوسط” غير عادل بسببتواجد جزر في أماكن مؤثرة، او ان ​شكل الساحل (مقعر أو محدب)، وتتواجد ممرات ملاحية ضيقة وحيوية؛ هنا يجري تعديل الخط لتحقيق ما يسمى بـ “النتيجة العادلة”.

و ​لتحقيق الاستقرار ومنع الصدامات المسلحة، يوفر القانون الدولي عدة مسارات: ​المفاوضات الثنائية، وهي الوسيلة الأفضل والأسرع، وبوساطتها يتفق الطرفان على معاهدة ترسيم نهائية، وكذلك ​التحكيم الدولي بتشكيل لجنة تحكيم خاصة تتفق الدولتان على قبول حكمها.

وفي ظروف أخرى تتدخل محكمة العدل الدولية (ICJ)، أو المحكمة الدولية لقانون البحار (ITLOSاذ تُعرض الحجج القانونية والتاريخية ويصدر حكم ملزم، و في حال تعذر الترسيم، يمكن للدول الاتفاق على “مناطق تطوير مشترك” لاستغلال الموارد من دون البت في السيادة النهائية، مما ينزع فتيل الأزمة.

في حالة العراق والكويت، ​تكمن الصعوبة فيمايسمى “الجغرافيا المظلومة” للعراق، اذ يمتلك ساحلا ضيقا جدا يقع بين جارتين (الكويت وإيران)، وثبتت ​الدعامات البحرية، وهي نقاط أعلام تُثبت لتحديد مسار الحدود الفاصلة، وبما ان ​خور عبد الله، يمثل عصب الملاحة للعراق، وأي ترسيم لا يضمن حرية الملاحة الكاملة فيه يُعدنقطة توتر مستمرة، فان الاستقرار لا يتحقق بالخرائط فقط، بل بالاتفاقيات التقنية التي تنظم “إدارة الملاحة” و”اقتسام الثروات العابرة للحدود” لضمان عدم تضرر المصالح الحيوية لأي طرف.

ان ملف خور عبد الله يتضمن تداخلات معقدة بين القرارات الدولية (الأمم المتحدة)، والاتفاقيات الثنائية، والأحكام القضائية الداخلية. ومن القرارات التي صدرت بشأن ذلك قرار مجلس الأمن رقم 833 (لعام 1993)، و ​هذا القرار هو “حجر الزاوية” في النزاع الحدودي الحالي، وله طبيعة قانونية استثنائية، واعتمد هذا القرار النتائج التي توصلت إليها “لجنة تخطيط الحدود بين العراق والكويت”. قام القرار بترسيم الحدود البرية بشكل كامل، أما في الجانب البحري، فقد توقف الترسيم عند النقطة 162 في خور عبد الله.

يرى عدد من القانونيين العراقيين أن مجلس الأمن “تجاوز صلاحياته” بهذا القرار، لأن وظيفة المجلس هي حفظ السلم والأمن وليس رسم الحدود (وهي مهمة تترك عادة لاتفاق الدول أو لمحكمة العدل الدولية). ومع ذلك، يظل القرار ملزمادوليا لأنه صدر تحت الفصل السابع. ترك القرار المنطقة البحرية لما بعد النقطة 162 (المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية) من دون ترسيم، مطالبا الدولتين بالتفاوض لترسيمها وفقا لقانون البحار 1982.

وهناك اتفاقية تنظيم الملاحة في “خور عبد الله” (2012/2013)، و ​غالبا ما يقع خلط بينها وبين “ترسيم الحدود”، لكنها من الناحية الفنية اتفاقية “إدارة”، فقد وقعت عام 2012 وصادق عليها البرلمان العراقي عام 2013 (القانون رقم 42). تهدف لتنظيم حركة السفن، الحفاظ على البيئة، وتعميق الممر الملاحي المشترك.

ونصت الاتفاقية على تقسيم الممر الملاحي في خور عبد الله بناء على خط الوسط بين الساحلين، وهو ما عده المعارضون في العراق تنازلا عن ممر تاريخي كان يخضع للملاحة العراقية بالكامل. وتنص المادة 6 من الاتفاقية على أنها لا تمس الحدود المقررة بموجب القرار 833؛ لكنها عملياكرست واقعا جغرافيا يصعب تغييره.

المحكمة الاتحادية العليا العراقيةوالأوضاع الحالية

في خطوة قلبت الموازين، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق عام 2023 حكما بـ “عدم دستورية” قانون تصديق الاتفاقية، واستندت المحكمة إلى أن التصديق على المعاهدات الدولية التي تمس السيادة يتطلب موافقة أغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب (وفق المادة 61/رابعا من الدستور)، فيما جرى التصديق على اتفاقية الخور بالأغلبية البسيطة.

ومن وجهة نظر القانون العراقي الداخلي، الاتفاقية “باطلة”، أما من وجهة نظر القانون الدولي، فإن الكويت تعدها “ملزمة” لأنها مودعة لدى الأمم المتحدة وجرت عبر القنوات الرسمية، مما خلق حالة من “الانسداد القانوني”.

التطورات الأخيرة (2024 – 2025/2026) بما فيها المدة الحالية شهدت تجاذبات بشأن “إيداع الخرائط”، اذ قام العراق مؤخرا بإيداع إحداثيات وخرائط جديدة لدى الأمم المتحدة توضح رؤيته لحدوده البحرية، وهو ما عدته الكويت (ودول مجلس التعاون) مساسا بسيادتها، بخاصة فيما يتعلق بمناطق مثل “فشت العيج” و”فشت القيد”.

ويثير وضع دعامات أو علامات حدودية جديدة في مناطق غير متفق عليها مخاوف من احتكاكات بين خفر السواحل في البلدين.

فكيف يمكن حل هذا الإشكال لتحقيق الاستقرار؟ ​وفقا للممارسات الدولية، هناك ثلاثة مسارات، أولا، عقد ​اتفاقية إطارية جديدة، تتجاوز عيوب الاتفاقية السابقة وتضمن للعراق “إطلالة بحرية آمنة” وللكويت “سيادة مستقرة”.

الحل الثاني تحويل المناطق المتنازع عليها إلى منطقة إدارة وتطوير مشترك بدلا من الصراع على خطوط وهمية في الماء، والحل الثالث هو ​اللجوء للتحكيم الدولي، فإذا استمر الانسداد، فقد يضطر الطرفان للذهاب إلى “المحكمة الدولية لقانون البحار” في هامبورغ لإصدار حكم فني ينهي الجدل السياسي.

ان عصب النزاع يكمن في منطقة “فشت العيج”، و هذه المنطقة الصغيرة جغرافيا، كبيرة جدااستراتيجيا وقانونيا وهي مساحة من اليابسة (تكوين طبيعي) تظهر في حالة الجزر وتغمرها المياه في حالة المد، وتقع بالقرب من مدخل خور عبد الله.

وجهة النظر الكويتية، هي انها تعدها امتداداطبيعيا لسيادتها وقامت بإنشاء منصة ثابتة (دعامة) عليها لأغراض الرقابة والملاحة، وتراها جزءا من حدودها المرسومة وفق القرار 833.

اما العراق فيراها منطقة “منخفضة” لا تصلح لأن تكون أساسا لترسيم الحدود البحرية، وأن استحواذ الكويت عليها يضيق “الممر الملاحي الوحيد” المؤدي إلى الموانئ العراقية (أم قصر وخور الزبير)، مما يحول العراق إلى دولة “شبه مغلقة” بحريا، وان أي نقطة حدودية تُثبت عند “فشت العيج” تدفع بخط الحدود البحرية باتجاه الساحل العراقي، مما يقلص الحصة المائية للعراق في المياه الإقليمية.

كما عدت عملية عزم الكويت على بناء ميناء مبارك الكبير، التحدي الجيوسياسي الكبير للعراق. ​بنت الكويت هذا الميناء في جزيرة بوبيانمقابل الساحل العراقي وليس في الجزء الآخر من جزيرة بوبيان المطل على عمق الخليج، وهو ما أثار قلقا كبيرا في العراق لعدة أسباب، فمنناحية ​الموقع، يقع الميناء في ممر “خور عبد الله” الضيق، ويخشى العراق أن يؤدي تواجد الميناء وحركة السفن الكبيرة فيه إلى إعاقة الملاحة المتوجهة للموانئ العراقية، كما ان عمليات الطمر والتعميق المطلوبة للميناء قد تؤدي إلى تغيير في “التيارات البحرية” وترسب الطمي في الجانب العراقي، مما يرفع تكاليف صيانة الممرات الملاحية العراقية.

ويرى العراق أن توقيت ومكان الميناء يستهدف إضعاف الجدوى الاقتصادية لـ “ميناء الفاو الكبير”، وهو المشروع الاستراتيجي الذي يعول عليه ليكون بوابة “طريق التنمية” نحو أوروبا، وإذا نجحت الكويت في تثبيت حدودها البحرية عند “فشت العيج” وما بعدها، فإنها تضمن مساحة مناورة ملاحية واسعة لميناء مبارك، فيما يجد العراق نفسه مضطرا للمرور عبر مياه تحت السيادة الكويتية الكاملة للوصول إلى أعالي البحار.

و​لدرء الصدامات وتحقيق الاستقرار، يقترح الخبراء الدوليون حلولا منها، ​”الممر الآمن” بعقداتفاقية تضمن للعراق حق الملاحة الحر وغير المشروط في خور عبد الله، بغض النظر عن تبعية المياه (مشابه لاتفاقيات الممرات الدولية).

او الإدارة الموحدة للمرور البحري بإنشاء مركز سيطرة مشترك (عراقي – كويتي) ينظم حركة السفن للمينائين (مبارك والفاو) لمنع التداخل والحوادث، او بالتعويض الجغرافي: في حالات مشابهة دوليا، يجري منح الدولة “المتضررة جغرافيا” (العراق) مناطق صيد أو استكشاف أعمق في البحر مقابل قبولها بحدود معينة في الممرات الضيقة.

أي ان المشكلة ليست في “الدعامات” بحد ذاتها، بل فيما تمثله هذه الدعامات من خنق ملاحي أو توسع سيادي، والاستقرار يتطلب شجاعة سياسية للوصول إلى “اتفاقية شاملة” تضمن للكويت سيادتها وللعراق “رئته البحرية” الوحيدة.

طريق التنمية ودوره في الخلاف

ان ​”طريق التنمية” العراقي يبدأ من ميناء الفاو الكبير، و لكي ينجح هذا الميناء عالميا، فهو بحاجة الى ​ممرات ملاحية عميقة ودائمة، وان أي نزاع حول “خور عبد الله” أو “فشت العيج” قد يؤدي إلى عرقلة دخول السفن العملاقة (Triple-E) التي تحتاج إلى أعماق تصل إلى 19 مترا، كما ان شركات الشحن العالمية والتأمين البحري تبتعد عن المناطق التي تشهد “تجاذبات حدودية” أو “دعامات بحرية” متنازع عليها، مما قد يرفع تكلفة النقل عبر العراق مقارنة ببدائل أخرى.

ان الوقائع وضعت المينائين (الفاو ومبارك) في مواجهة مباشرة في داخل ممر مائي ضيق، وإذاجرى تشغيل المينائين بكامل طاقتهما من دون “اتفاقية إدارة مشتركة”، فقد يشهد خور عبد الله اختناقات مرورية بحرية تعوق انسيابية البضائع المتجهة إلى “طريق التنمية”؛ وإذاعدت القناة الملاحية المؤدية للفاو مياها إقليمية كويتية بالكامل، فسيخضع “طريق التنمية” العراقي فعليا لإرادة الجار السياسية والسيادية، وهو ما يثير قلقا استراتيجيا في بغداد.

و​بدلا من أن يكون النزاع الحدودي عائقا، يرى الخبراء أن “طريق التنمية” قد يكون هو الحل لتحقيق الاستقرار و المصالح المشتركة، اذ يمكن ربط الكويت بطريق التنمية (عبر سكة حديد)، مما يحول النزاع على “الدعامات” إلى تعاون على “الأرباح”. حينها تصبح سلامة الممرات الملاحية مصلحة كويتية بقدر ما هي عراقية.

كما يمكن تحويل المنطقة إلى “زون” اقتصاديحر: القانون الدولي يشجع في حالات النزاع المعقدة على إنشاء “مناطق تطوير مشتركة”. طريق التنمية يوفر الإطار المثالي لتحويل خور عبد الله من ساحة اشتباك إلى مركز لوجستي عالمي يخدم الطرفين.

وان استمرار الجدل حول حكم المحكمة الاتحادية بخصوص اتفاقية الملاحة، وحول ترسيم الحدود وراء النقطة 162، يجعل البنوك الدولية حذرة في تمويل مشاريع مرتبطة مباشرة بالواجهة البحرية المتنازع عليها.

​إن استقرار الحدود البحرية بين العراق والكويت ليست مجرد مسألة “أمتار في البحر”، بل هو شهادة ضمان لنجاح “طريق التنمية”، ومن دون حسم فني وقانوني يضمن للعراق حقه في الملاحة الحرة وللكويت سيادتها، سيبقى المشروع رهين التوترات السياسية الموسمية.

ومن الضروري بالفعل فهم المسارات المتاحة حاليا، لأننا نعيش مرحلة “جمود قانوني” قد تؤدي إلى توترات ميدانية إذا لم تُعالج دبلوماسيا. في القانون الدولي، وأمام أروقة الأمم المتحدة، هناك ثلاثة مسارات رئيسة يمكن للبلدين سلوكها، فللعراق، مسار “إيداع الاعتراضات” لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة و ​هذا هو المسار النشط حاليا، ويسمى تقنيا (Notes Verbales)، ثانيا طلب “التفسير” أو “التعديل” لقرار مجلس الامن 833 ​بما أنه هو الوثيقة الحاكمة، يمكن التحرك بوساطته؛ اما الكويت فتضغط لـ “استكمال” الترسيم لما بعد النقطة 162 بناء على روح القرار 833 نفسه، لضمان ما ترى انها سيادتها الكاملة على مياهها الإقليمية.

و يسعى العراق (عبر القنوات الدبلوماسية) لإقناع مجلس الأمن بأن القرار 833 أغفل “الإنصاف الجغرافي” وأدى إلى خنق ساحله، مطالبا بتفاهمات جديدة تضمن حرية الملاحة كحق أصيل وليس كمنحة، بحسب ما يرى.

كما يمكن اللجوء إلى “محكمة العدل الدولية” أو “محكمة قانون البحارو هو المسار “القضائي” الأكثر حساسية ولا تستطيع المحكمة النظر في القضية إلا إذا وافق الطرفان معا على إحالتها إليها (إلا في حالات نادرة تتعلق باتفاقيات سابقة).

قد يعجبك ايضا