شمس الجبال… وسقوط العروش: كوردستان في مواجهة الدكتاتوريات

ياسر بادلي

على امتداد العقود الماضية، تعاقبت على المنطقة أنظمةٌ رفعت شعارات القوة والوحدة، لكنها في جوهرها حكمت بالخوف، وشيّدت عروشها فوق صمتٍ مفروض وقمعٍ ممنهج.
دارت عجلة الدكتاتوريات في بغداد ودمشق وطهران، ومعها أنقرة، وتبدّلت الأسماء وبقي الأسلوب واحداً: إنكارٌ للتعدد، وتضييقٌ على الحريات، واعتقادٌ بأن القبضة الأمنية قادرة على إخماد أي صوتٍ مختلف، وفي مقدمته الصوت الكوردي.
في العراق، مثّل نظام صدام حسين صورة الحاكم الذي اختزل الدولة في شخصه، وحوّل الخلاف السياسي إلى معركة وجود.
اعتمد سياساتٍ قمعيةً ممنهجة وحملاتٍ عسكريةً شرسة، وسعى إلى تغيير البنية الديموغرافية في المناطق الكوردية، معتقداً أن الحديد والنار قادران على اقتلاع هويةٍ ضاربةٍ في عمق التاريخ.
لكن ما حدث أن تلك السياسات رسّخت الوعي القومي أكثر مما أضعفته، وكرّست القضية الكوردية في الوجدان السياسي للمنطقة.
وفي سوريا، كرّس نظام آل الأسد، ثم بشار الأسد، امتداداً لنهجٍ أمنيٍّ طويل، تعامل مع الكورد بوصفهم ملفاً أمنياً لا مكوّناً أصيلاً من مكونات البلاد.
حُرم عشرات الآلاف من الجنسية، وضُيّق على اللغة والثقافة، وبقي الاعتراف بالحقوق القومية مؤجلاً لعقود.
ظنّ النظام أن التهميش المنهجي كفيلٌ بإذابة الهوية، غير أن السنوات اللاحقة أثبتت أن ما يُقمع لا يختفي، بل يتراكم حتى يفرض نفسه على المعادلة.
أما في إيران، وتحت قيادة علي خامنئي، فقد طغت المقاربة الأمنية والأيديولوجية على أي معالجةٍ سياسيةٍ حقيقيةٍ للمسألة الكوردية.
استمر التضييق على النشاطات السياسية والثقافية، وبقيت المطالب القومية تُقابل بالحذر والاتهام والقمع، في إطار رؤيةٍ مركزيةٍ تخشى من الاعتراف بالتعدد بوصفه مدخلاً لإعادة تعريف شكل الدولة.
وفي تركيا، خلال عهد رجب طيب أردوغان، استمرت سياساتٌ تستهدف إذابة الهوية الكوردية داخل قالبٍ قوميٍّ أحادي، مع ملاحقاتٍ سياسيةٍ وتضييقٍ على الفضاء العام، ومحاولاتٍ لتجريم أي تعبيرٍ قوميٍّ مستقل.
لم يكن الهدف مجرد إدارة خلافٍ سياسي، بل إعادة صياغة المجال العام بما يُضعف الحضور السياسي والثقافي للكورد، ويحدّ من قدرتهم على التعبير عن تطلعاتهم.
ورغم اختلاف الشعارات والأيديولوجيات، التقت هذه الأنظمة عند نقطةٍ واحدة: السعي إلى القضاء على القضية الكوردية أو تحجيمها أو تفريغها من مضمونها.
اعتقدت أن الجبال تُرهب، وأن القنديل يمكن إطفاؤه، وأن شعباً كاملاً يمكن أن يُذاب في خطابٍ رسمي أو يُسكت بحملاتٍ أمنية.
لكن ما لم تدركه هو أن الهوية التي تسكن الوجدان الجمعي لا تُمحى بقرار، وأن التاريخ لا يسير وفق رغبة الحاكم.
من بغداد إلى دمشق إلى طهران وأنقرة، حاولت الدكتاتوريات اقتلاع الحلم من جذوره، غير أن جذور كوردستان كانت أعمق من أدوات القمع.
كل ضربةٍ كانت تولّد وعياً جديداً، وكل محاولةِ إذابةٍ كانت تعيد تعريف الذات بقوةٍ أكبر.
وهكذا تحوّل القنديل إلى شمس، وصار نور الجبال رمزاً لصمودٍ لم تنجح السجون ولا الحملات العسكرية في كسره.
لقد شهدت المنطقة تحوّلاتٍ كبرى، وسقطت عروشٌ ظنّت نفسها أبدية؛ فسقط نظام صدام حسين، وتهاوى حكم بشار الأسد، وتغيّرت معادلات ارتبطت بمرحلة قيادة علي خامنئي وتم اغتياله.
وما تزال حركة التاريخ مفتوحة، لا تعرف السكون ولا تعترف بالديمومة السياسية، في انتظار أن تُطوى صفحاتٌ أخرى، ومنها صفحة عهد الدكتاتوري رجب طيب أردوغان، كما طُويت قبلها عهودٌ تصوّرت أن بقاءها قدرٌ لا يُرد.
فإرادة الشعوب، وإن طال صبرها، تبقى الكلمة الفصل في نهاية المطاف.
إن مصير كل طاغيةٍ يظن أنه قادر على القضاء على شعبٍ بأكمله ليس سوى مواجهة التاريخ ذاته؛ فالتاريخ لا يرحم من يعادي حق الشعوب في الوجود، ولا يمنح الخلود لعروشٍ تقوم على الخوف.
شمس الجبال ليست دعوةً إلى انتقام، بل إعلانٌ عن اكتمال وعيٍ جماعي يرى في الحرية حقاً طبيعياً، وفي الكرامة أساساً لأي كيانٍ سياسي.
وكوردستان، في معناها الأعمق، ليست مجرد حدودٍ على خريطة، بل إرادةٌ حيّةٌ أثبتت أن الليل مهما طال يبقى ظلاً عابراً أمام إشراق الشعوب.
وكل من يحاول إطفاء هذا النور لن يجد في النهاية سوى اسمه على مزابل التاريخ، في الجهة المقابلة لصفحات الحرية.

قد يعجبك ايضا