بين الواقعية والحق: هل يصبح تقرير المصير ترفاً سياسياً؟

ماهين شيخاني

لا يختلف اثنان على أن حق تقرير المصير ليس شعاراً يُفعَّل بالنيات وحدها، ولا يتحقق بخطاب تعبوي منفصل عن موازين القوى. هذه حقيقة سياسية لا جدال فيها. لكن تحويل هذه الحقيقة إلى حجة لتقليص الحديث عن الحق ذاته يفتح باباً آخر للنقاش.
تقرير المصير ليس مطلباً مستجداً، ولا نزوة عاطفية، بل مبدأ قانوني ثابت في النظام الدولي الحديث. صحيح أن تطبيقه يخضع لتوازنات معقدة، لكن شرعيته لا تستمد من قبول القوى الكبرى، بل من الاعتراف القانوني به كحق للشعوب.
القول إن رفع شعار تقرير المصير اليوم قد يضعف القضية يفترض أن الصمت عنه يقويها.
لكن التاريخ يُظهر أن الحقوق التي تُؤجَّل بلا أفق تتحول إلى مطالب منسية.
تجربة استفتاء إقليم كردستان عام 2017 كشفت حدود اللحظة السياسية، نعم. لكنها لم تُسقط الحق ذاته، ولم تُلغِ شرعيته. الفارق كبير بين سوء تقدير التوقيت (حسب تقديرات البعض)وبين نفي المبدأ. فالإرادة الشعبية التي عبّرت عن نفسها في الاستفتاء لم تكن وهماً رومانسياً، بل تعبيراً عن هوية سياسية تراكمت لعقود.
أما في الحالة الكردية السورية، فطرح تقرير المصير لا يعني إعلان انفصال غداً صباحاً، بل يعني تثبيت الحق في الوعي السياسي، وترك جميع الخيارات مفتوحة ضمن مسار تفاوضي طويل. أحياناً يكون السقف المرتفع وسيلة لتحصيل حد أدنى من الحقوق.
الواقعية السياسية مطلوبة، لكن الواقعية التي تتحول إلى سقف منخفض دائم قد تُفضي إلى قبول الأمر الواقع بوصفه قدراً. الشعوب لا تنتزع حقوقها بالاندفاع، لكنها أيضاً لا تحافظ عليها بالتردد.
السؤال ليس: هل ميزان القوى يسمح الآن؟
بل: كيف يُبنى ميزان قوى تدريجياً دون التخلي عن الحق؟
تقرير المصير ليس نقيضاً للبراغماتية، بل يمكن أن يكون إطاراً استراتيجياً طويل الأمد، يُدار بمرونة، ويتكيف مع التحولات الإقليمية والدولية، دون أن يتنازل عن جوهره.
القضية ليست بين رومانسية وواقعية.
بل بين من يرى الحق هدفاً مؤجلاً يُعمل لأجله،
ومن يخشى طرحه لأن اللحظة لم تنضج بعد.
والتاريخ، في الغالب، يُكتب بأيدي من يوازنون بين الاثنين.

قد يعجبك ايضا