مدخل إلى التعريف بالديانة الکاکائية “اليارسانية”

الجزء الثالث

فهمي الکاکائي

إن فلسفة وتاريخ هذه العقيدة(الدين) حالها حال العقائد الباطنية الأخرى محاطة بالضبابية وعدم الوضوح. فلسفة المعتقد هذا وتاريخه وکل النصوص المقدسة محتفظة بها بشکل سري، کما هو الحال مع الطقوس الدينية التي تقتصر فقط على أبناء هذا المعتقد.

التدخين، لحم الخنزير، المشروبات الروحية
التدخين مکروه لدى اليارسانيين، وشرب الكحول ممنوع. وإذا ذُكر الخمر في الترانيم الدينية، فمن الواضح أن ذلك لغرض آخر. فإذا ذکر القدح في التراتيل فالقصد هنا قدح الرحمة وإذا ذکر السکر فإنه السکر الصوفي نتيجة للعشق الإلهي. يقول الشاه خوشين (مبارك شاه اللرستاني):

مستم ز خرابات ولی از می نه‌
نقلم همه‌ نقلست حریفم شیئ نه‌

أي:
” أنا سکير وحدة الوجود وليس الخمر، متعة سُكري تكمن في الكلمات التي أنطقها، ولا يملك خصمي شيئًا”.

فيما يتعلق بالتدخين، ففي الديانة اليارسانية، يعتبر الدخان بجميع أشكاله ساماً وضاراً، لذا فإن الدخان هو منبع الشر والنور هو منبع الخير.

نیکانم جە نور کورە ڕژیاني
بدانم جە دوود ساجم زیانی

بالإملاء الکوردي:
نێکانم چە نویر کوورە ڕەژیانێ
بەدانم چە دوود ساجم زیانێ

المعنى: لقد خلقت الأخيار من نور الأتون والأشرار من دخانه.

وفي هذا الصدد، يقول “خان آتش” عن المحظورات الثلاثة باللغة التركية:

بیغ دوتان قلیان چکان
خنزیر صف دوزبر اولدی

المعنىى: إن من يحلق شاربه ومن يدخن، يجد نفسه في صفوف الخنازير.

عن الحياة والموت
اليارسانيين يؤمنون بـ”دونايدون”، أي تناسخ الأرواح، فإنهم يتقبلون الموت بسهولة، لأن الروح لا تفنى بموت الشخص، بل تعود إلى الأرض ثانية و تتجسد بشکل من الأشکال. والأمل الوحيد للمتوفى هو أن يُبعث من جديد في عائلة يارسانية. يقول أحد أتباع هذه الديانة عن الموت:

یاران نترسان ني سياستە
مردن یاري جون قویتي بطه

بالإملاء الکوردي:
یاران نه‌ته‌رسان نه‌ی سیاسه‌ته‌
مردن یاری چوون قویته‌ی به‌ته‌

المعنى: أيها المؤمنون لا تخافوا من الموت، شاهدوا البطة وهي تغوص في الماء فتختفي هنا لتظهر في مکان أخر، کذلك الحال معنا، نغوص هنا لنظهر هناك.
فعند ولادة الطفل، تستقبله العائلة بفرح، کذلك الحال عند وفاته، لا ينبغي الحزن عليه، لأن الذي يموت هو الجسد فقط. أما الروح فهي أزلية ولا تموت، إنها تعود من جديد في جسد آخر. لذلك تُرتل الترانيم الدينية مصحوبةً بعزف الطنبور عند دفن الميت. بعض أتباع هذه الديانة لا يزورون قبر الميت بعد دفنه، لاعتقادهم أنه قد انتقل إلى مكان آخر.

الآخرة
الجنة والنار موجودتان في هذه الدنيا. لا يتوقع أتباع اليارسانية ثوابًا أو عقابًا في الآخرة. الثواب والعقاب هما هنا في هذه الدنيا، لکن ليس بالضرورة أن يكونا في هذا التجسد (الدورة الحياتية)، من الممکن أن ينقلا إلى الدورة التالية. إن ما تُعاقَب عليه أو تُثاب به هي روح الإنسان، لا جسده. فعندما يتألم عضو من أعضاء الجسد، فإن روح الإنسان هي التي تشعر بالألم. ويوم القيامة يعني ظهور المولى مرة أخرى، ليقضي على الظلم والجور، ويقيم العدل، والمولى حسب إعتقادهم سيظهر في شهرزور بکوردستان.


الطبقات الدينية
توجد عدة طبقات دينية لدى اليارسانيين، ولا يجوز التزاوج بين هذه الطبقات، لأن لكل طبقة واجباتها الدينية الخاصة بها، ألا وهي:

البير (پیر)
الدليل (ده‌لیل)
الأب (باوه‌)
المريد (ئۆمی)

الخير والشر
لا يُقسم أتباع الديانة اليارسانية، لإن أي قسم يُعتبر مثيرًا للريبة، ووفقًا لتعاليم هذا الدين، لا يجوز للمؤمنين فعل أي شيء يُثير الشكوك، لأن عليهم الامتناع عن فعل الشر وعليهم أن يکونوا صادقين، ولتحقيق ذلك، وجب عليهم ضبط نفوسهم وقلوبهم وعقولهم. فالقلب والعقل هما أساس الضمير. فإذا جعل المرء ضميره مرشده، فلن يفعل إلا الخير.

يقول البير حسن الخوراساني:
دس ودلي ويت بکرە شرە
هر کاري بدن آنه مکرە

بالأملاء الکوردي:
دەس و دلێ وێت بکه‌ره‌ شه‌ره‌
هه‌ر کارێ به‌ده‌ن ئانه‌ مه‌که‌ره

المعنى:
دع قلبك وضميرك يحكمان عليك. و تجنب القيام بأي عمل سيء.

کذلك يقول الشيخ أمير:
هر کس دس ودل چنش یار نین
نە دوکانی یار خوردار نیەن

بالإملاء الکوردي:
هەر کەس دەس و دڵ چەنەش یار نییەن
نە دوکانی یار خەوەردار نییەن‌

المعنى والمقصود:

من لا يطاوع عقله وقلبه، فذلك الشخص لا علم لە بفلسفة اليارسانية.

المرأة في المجتمع اليارساني
وفقًا لفلسفة هذا الدين، الذي يؤمن بالدونايدون (تناسخ الأرواح)، يتساوى الرجل والمرأة، فالروح هي المعيار، لا الجنس. لا يجوز للرجل أن يتزوج بأكثر من امرأة في آن واحد. يتساوى الرجل والمرأة في الميراث. تعزف النساء الموسيقى في المناسبات الدينية كما يفعل الرجال. دائمًا ما تكون هناك امرأة حاضرة في المشهد، وکذلك فللنساء حق تأليف الأشعار والتراتيل الدينية کما للرجال.

من النساء المشهورات في الديانة اليارسانية: دايە توريز الهورامي، جلالة خانم اللورستاني (والدة شاخوشين)، فاطمة لورە، لزا خانم الجاف، دايە خزان السركتي، السيدة دايراك(والدة السلطان إسحاق). السيدة حبيبة الشهرزوري، البير نازدار خاتون الشيرازي والعديد من النساء الأخريات.

تقول جلالة خانم اللورستاني:
نە بري شايي، نە بري شايي
آرو نشتە بيم نە بري شايي
ميردان و ژنان مشين وا شايي
بري شاخوشين مداي گوايي

بالإملاء الکوردي:
نە بەرەی شایی، نە بەرەی شایی
ئارۆ نیشتە بیم نە بەرەی شایی
مێردان و ژەنان مەشین وە شایی
پەرێ شاخۆشین مەدان گەوایی

المعنى
في صف المحتفلين، کنت جالسا اليوم في صف المحتفلين. كنت أرى الرجال والنساء يذهبون للإحتفال ومبايعة شاخوشين (مبارك شاە اللوردستاني)

أما الشاعرة لزا الجاف فتقول في وصف الطبيعة:
وفران بي وە آو، وفران بي وە آو
وهار جون آما وفران بي وە آو
گل و ونوشە هوريزان جە خاو
پري آرايش دشت و کوف و کاو

بالإملاء الکوردي:
وەفران بی وە ئاو، وەفران بی وە ئاو
وەهار چوون ئاما وەفران بی وە ئاو
گوڵ و وەنەوشە هۆرێزان جە خاو
پەرێ ئارایش دەشت و کۆف و کاو

المعنى:
لقد ذابت الثلوج، عندما حلّ الربيع، تحوّلت الثلوج إلى ماء. فاستيقظت الورود والأزهار الأرجوانية، لتزيين السهول والحقول والجبال بجمالها.

الموسيقى
تُعدّ الموسيقى أحد أهمّ ركائز هذا الدين، ولا تُقام أيّة طقوس دينية بدونها. آلة الطنبور مُقدّسة لدى اليارسانيين، ويعتقدون أنّها كانت موجودة قبل خلق الإنسان، وأنّها بفضلها دخلت الروح إلى جسد المخلوق الأول.
كانت فرقة شاخوشين، المؤلفة من تسعة وتسعين عازفًا، أول فرقة موسيقية تُذكر بالاسم بين اليارسانيين، وکان شاخوشين يعزف الطنبور بنفسه والآخرين کانوا يعزفون على الآلات الموسيقية الأخرى. أما في عهد برديوار، فقد كان لدى السلطان سهاك(إسحاق) فرقة مؤلفة من سبعة موسيقيين وکذلك سبعة خطباء.

ذُكر أكثر من ستين آلة موسيقية في كتب اليارسانيين، جميعها آلات كردية، وتحظى الموسيقى عمومًا، والطنبور خصوصًا، بأهمية بالغة ومرتبة عالية لدى اليارسانيين.

فقد جاء في التراتيل الدينية:
یار ديدکاني بنيامين سازە
بير موسي سيم و داود آوازە

بالإملاع الکوردي:
یار دیدەکانی بنیامین سازە
پیرموسی سیم و داود ئاوازە

المعنى: هنيئا لنا، فإن البير بنيامين هو بنفسه آلة الساز، والبير موسي هو الوتر وداود هو اللحن.
وهؤلاء الثلاثة: بنيامين و موسي و داود، هم من صحابة السلطان سهاك(إسحاق) المقربين.

نظرة اليارسانيين حول الأديان الأخرى
يحترم اليارسانيون کل الأديان، ويؤمنون بأن الأديان التوحيدية لا فرق بينها وهي متساوية، وإن هذه الأديان تشترك في مصدرها ومنبعها وإن الجميع سوف تلتقي عند عرش الله تعالى. الاختلاف الوحيد يكمن في اختلاف مساراتها، فجميع الأديان لها مصدر واحد وهو رب العالمين. وکما يقال: کل الطرق تؤدي إلى روما، فإن کل الطرق تؤدي إلى عرش رب العالمين.

حول إحترام الأديان الأخرى، يقول الشيخ أمير:
أگر آيين ويت وە خاس مزاني
وە آين هيج کس بد نمواني

بالإملاء الکوردي:
ئەگەر ئایین وێت وە خاس مەزانی
وە ئایین هیچ کەس بەد نمەوانی

“إذا كنت تعتبر دينك دينا جيداً، فلا ينبغي لك أن تتحدث بسوء عن دين أي شخص. هذا هو بالضبط ما تعنيه حرية المعتقد.”

إنتهى الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع

الصورة: فرقة موسيقية للتراتيل اليارسانية

قد يعجبك ايضا