محسن دزه ايي
تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).
يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.
الجزء الثلاثون
وبجهود علي شوباش ، حصلت على دار حكومية صغيرة وكذلك بعض الاحتياجات الاخرى ومعدات النوم، فقضينا مع حيدر عدة أيام هناك، وبعد حوالي اسبوع واحد فى قلعة دزه غادرناها مع (ملا ماطور) وبنفس السيارة متـوجهين الى منطقة قوات اربيل، وكان مقرها الرئيسي في جبل (بيره ر) الواقع بين كويسنجق وأربيل، وهناك التقيت لأول مرة منذ أشهر بشقيقي كاك أحمد، كذلك ابناء عمومتي برهان عزيز أغا وعمر علي خورشيد وطلعت مشير ابراهيم آغا، وكذلك ابن شقيقي وريا والآخرين الذين من قريتنا أمثال كاكه سمه وحاجي فقي عولا وقادر مامه وغيرهم، أما ابن عمي الآخر كـمال رشيد والذي كان شاباً وفي عمري ومن اصدقائي المقربين، فقد استشهد قبل ذلك وتأثرت كثيرا لفقدانه، وكان شقيقي الأصغر عمر قد غادر قبل ذلك الى منطقة ماوه ت للعمل فى محطة الإذاعة التي كان فى النية انشاءها.
وبعد استراحة في المقر الرئيسي ذهبت الى مقر ابن عمي برهان آغا القريب من هناك، وكان آمراً لأحدى فصائل الأنصار فرحبوا بي كثيراً وذبحوا لي شاة سمينة كانوا قد غنموها مع أغنام أخرى من المرتزقة.
وفي اليـوم التالي، ذهبت الى قرية (رسول بسكول) وهي تقع في منطقة تلال وعرة بين كويسنجق وأربيل، وتعود لأولاد خالي شيخ جبار وأنور اللذين ورد ذكرهما في الجزء الاول من الكتاب هذا، وبقـيت فى القـرية المذكورة عدة أيام وكنت أعرف عدداً من سكانها لترددي على القرية ايام طفولتي، وقد جاء بعض افراد عائلتي لمقابلتي خفية وعن طريق الحزب دون علم السلطات الحكومية، وعدت الى المقر الرئيسي لقواتنا فى المنطقة وثم الى قلعة دزه، وكان ذلك في أوائل شهر تشرين الأول سنة 1963. وكذلك سافر الى قلعة دزه شقيقي كاك احمد الذي أسند اليه منصب عسكري آخر في قوات تلك المنطقة، وأصبح معاوناً لآمر تلك القوات التي كانت تدعى (هيزى كاوه) أي مايعادل لواء جيش.
اسناد أول عمل رسمي لي في الثورة االكوردية
كان الوقت أوائل شـهر تشرين الأول عندما عدت الى )قلعة دزه( وأسند منصب معاون آمر هيز الى شقيقي كاك أحمد، وآمرية الهيز الى المقدم نافذ جلال وكالةً، حيث كان عمر دبابه آمراً للهيز اصالةً، وذكرت بأنه قد ذهب بسفر ولم يعد، وكذلك صدرت تعينات أخرى فى المدينة للمسؤولين دون أي ذكر لي، وبعد يومين وردت برقية أخرى الى مقر الهيز من الكتب السياسي يستغربون فيها عدم اسناد أية مسؤولية ويوعزون بتعييني حاكماً في قلعة دزه، ولا ادري ان كان الاغفال جاء في أول الأمر من الكتب السيـاسي نفسه أو أنه لم يجر أي ذكر لأسمي أو ترشيحي أساسأ من قبل مسؤولي المنطقة التي كان عمر دبابه على رأسها قبل سفره، ولكني كنت على يقين بأن البرقية الاخيرة قد ارسلت بتأثير كل من علي عبدالله ونوري شاوه يس.

باشرت عملي كحاكم في بناية المحكمة وكان فيها كاتب واحد اسـمه ملا حسن وكذلك رجل مسن آخر اسمه مام رضا وذلك لحل المنازعات واجراء الصلح بين المتنازعين، وكانا رجلين طيبين احببتهما، حاولت منذ البداية ان تكون اعمال المحكمة أصولية وأن تجري الأمور حسب القوانين المرعية وعلى شكل محكمة نظامية، ولما كانت المنطقة عشائرية وأكثر النزاعات هي بين الملاكين والفلاحين ولأن ظروف الثورة تستوجب مراعاة الجميع فكان من الصعب تطبيـق القوانين فى كل الحالات، ولما كنت أحاول تـطبـيق القـوانين فكنت أصطدم دومأ بالمشاكل وخاصة مع بعض الملاكين ورؤساء العشائر في المنطقة الذين كانوا يريدون معاملة متميزة، وكنت ارفضها وأريد سلطة القانون وان تسود العدالة طرفي النزاع بصرف النظر عن هويتهما.
“باشرت عملي كحاكم في بناية المحكمة،حاولت منذ البداية ان تكون اعمال المحكمة أصولية وأن تجري الأمور حسب القوانين المرعية وعلى شكل محكمة نظامية، ولما كانت المنطقة عشائرية وأكثر النزاعات هي بين الملاكين والفلاحين ولأن ظروف الثورة تستوجب مراعاة الجميع فكان من الصعب تطبيـق القوانين فى كل الحالات، ولما كنت أحاول تـطبـيق القـوانين فكنت أصطدم دومأ بالمشاكل وخاصة مع بعض الملاكين ورؤساء العشائر في المنطقة، الذين كانوا يريدون معاملة متميزة، وكنت ارفضها وأريد سلطة القانون وان تسود العدالة طرفي النزاع بصرف النظر عن هويتهما”
خلال المدة القصيرة التي مكثت في محكمة قلعة دزه تمكنت من تنظيم أعمالها وجعلها ذات هيبة وشوكة تسودها القوانين، وأدى ذلك الى تشجيع المواطنين على مراجعة المحاكم واعادة الثقة بها، وبعد مرور اسابيع ثلاث فقط وردت برقية أخرى من المكتب السياسي ونسخة منها موجهة لي مفادها، بأن علي التوجه نحو قصبة ماوه ت كعضو في المحكمة العليا (بمثابة محكمة التمييز) المنشأة حديثا وتسليم محكمة قلعة دزه الى الحقوقي (بابكر محمود بشدري) الذي كان من أصدقائي، وظننت في بادىء الأمر ان ذلك كان ارضاءً لرؤساء العشائر في (بشده ر) بتعيين من ينتسب اليهم، ولكن علمت فيما بعد بأن رئيس المحكمة العليا المرحوم عمر حبيب قد اقترح ذلك لأنني كنت ثالث أقدم الحقوقيين المنظمين للثورة االكوردية وأعتقد بأن المكتب السياسي رأى فى ذلك تحقيق هدفين في آن واحد.
الانتقال الى (ماوەت)
جرت عملية تسليم المحكمة الى السيد (بابكر محمود بشدري) بالسرعة الممكنة وخلال نفس اليوم الذي استلمت فيه البرقية وأنتظرت الفرصة الأولى للمغادرة الى ماوه ت، بعد يومين وجدت الفرصة في الذهاب مع القافلة المتوجهة الى منطقة ماوه ت لجلب المؤن من المكتب السياسي الى قوات منطقة قلعة دزه ومقرها، وكان يقود تلك القافلة المرحوم ميرزا بابير الذي كان مساعداً لمعاون آمر الهيز للشؤون الادارية، ورافقت تلك القافلة في أواخر شهر تشرين الاول أو أوائل تشرين الثاني على أن يلتحق بي مرافقي حيدر بعد ذلك وبعد أن يقضي بعض الحاجات، غادرنا قلعة دزه في الصباح البـاكر ووصلنا قبل الغروب بساعتين الى أحد الجبال الفاصلة بيننا وبين منطقة المكتب السياسي، وسألني ميرزا بابير فيما اذا كان بأمكاني صعود ذلك الجبل سيرأ على الأقدام اذ لم يكن في تلك المنطقة أي طريق لمرور الدواب كذلك النزول من الطرف الآخر وخيرني مابين السفر مع القافلة لبضعة ساعات أخرى وقـضاء الليلة في أحدى القرى الواقعة على الطريق، أو عبور الجـبل المذكور والسير لمدة ساعتين أو ثلاث، فأخترت الحالة الثانية وباشرنا بصعود الجبل في أقل من ساعة، وقرب القمة شاهدنا بستانأ صغيرا للكروم وبعد الاستراحة والتحري عثرنا على بعض عناقيد العنب فقطفناها، وكانت وجبة لذيذة تناولناها مع الخبز الذي كان بحوزة ميرزا بابير، اما الجهة الثانية من الجبل فكانت عبارة عن منحدر شديد مكسو بنوع من الحصى الناعم الذي نتج عن انهيار الثلوج، فنزلنا في تلك المنطقة وانحدرنا بسرعة راكضين على تلك الحصى ووصلنا أسفل الجبل خلال دقائق. وبعد ذلك بدأنا بالـسيـر في طريق شبه سهل وصادفنا أحد الكوادر الحزبية في الطريق وهو يقود رجلاً مسنأ قال أنه يشتبه فيه ويأخذه الى سجن ماوه ت.
وصلنا قرية عيساوي التي فيها مقر المكتب السياسي، وقضينا تلك الليلة في المقر الخاص بالمؤن والارزاق، وفى الصباح وبعد تناول الفطور توجهنا الى مقر المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي كان يبعد بمسافة أقل من نصف كيلومتر، وهناك لقيت المرحوم نوري شاوه يس وعلى عبدالله عضوي المكتب السياسي واللذين كانا من أصدقائي القدامى وكذلك اسماعيل سرهنك المعلم السابق والذي كان مسؤولأ عن البرقيات الحكومية المجفورة والذي كان له مهارة فيها، وبعد أن رحبوا بي جميعاً جلست معهم وثم تناولنا طعام الغذاء معاً الذي كان عبارة عن وجبة بسيطة، ثم زودوني بالرسائل اللازمة لغرض الذهاب الى ماوه ت للمباشرة بعملي الجديد.
في ماوه ت
غادرت مقر المكتب السياسي الذي كان في قرية قرب الحدود العراقية الايرانية تسمى (عيساوي) يصعب على القوة الجوية ان تكشفها وتقوم بقصفها لسببين رئيسيين أولهما عدم وجودها على الخرائط العـسكرية ولم تسجل سابقاً لأنها قد وجدت بعد تسجيل ورسم تلك الخرائط وكانت عبارة عن بيت أو بيتين في بادئ الأمر، والسبب الثاني هو قرب ذلك الموقع من الحدود الايرانية ووضعه الجغرافي بحيث انه فيما اذا تم كـشفه فلابد للطائرات من ان تدخل الاجواء الايرانية اذا ارادت قصفها وهذا ما كان يتـجنبه العراق، علاوة على أن المنازل والمقرات كانت متباعدة ومـوزعة بشكل يصعب ظهورها الا عند الاقتراب منها.

كانت قصبة ماوه ت تبعد عن مقر المكتب السياسي بمسافة حوالي ساعتين سيراً على الاقدام أو أقل من ذلك وقد زودني المكتب المذكور بدابة لنقل أمتعتي التي وصلت صباح اليوم مع القافلة الخاصة بالأرزاق التي ذكرتها، وكانت أمتعتي عبارة عن وسائل بسيطة للنوم وحقيبة سفرية لملابسي لا يتجاوز وزنها بضعة كيلوغرامات.
وصلت ماوه ت أوائل تشرين الثاني عـصـراً ،وذهبت الى دار المحكمة التي كانت عبارة عن دار حكومية فيها أربعة غرف وصالون اضافة للمرافق الاخرى، وأعتقد بأن الدار المذكورة كانت تستعمل سابقاً كسكن لمدير الناحيـة، وماوه ت هي عبارة عن قصبة صغيرة أو قرية كبيرة يسكنها حوالي الفين أو ثلاثة آلاف من المواطنين وفيها حوالي (300_400) منزل، ويقطعها شارع واحد يمر في منتصفها وهو الشارع الذي يكمل طريق ماوه ت السليـمانيـة، وعلى طرفي الشارع بعض الدكاكين وعدد من الدور الحكومية الصغيرة، وفيها بناية حجرية كبيرة مبنية بالحجر والسمنت ولها جدران عالية ونقاط مراقبة في زواياها على شكل قلعة حصينة وفيها قاعات وغرف عديدة، أعتقد انها كانت تستعمل كمقر لمديرية الناحية والشرطة وبعض الدوائر، ويتوسط هذه الغرف ساحة كبيرة، استعملت هذه القلعة من قـبل سلطات الثـورة الكوردية كمعتـقل للأسرى والسجناء ولمنتسبي ادارة المعتقل.
اما دار المحكمة فكانت غرفتين منها تتخذ للعمل والبقية أي الصالون والغرفتين الاخريين لمبيت الحكام والعاملين في المحكمة.
“وصلت ماوه ت أوائل تشرين الثاني عـصـراً ،وذهبت الى دار المحكمة التي كانت عبارة عن دار حكومية فيها أربعة غرف وصالون اضافة للمرافق الاخرى، وأعتقد بأن الدار المذكورة كانت تستعمل سابقاً كسكن لمدير الناحيـة، وماوه ت هي عبارة عن قصبة صغيرة أو قرية كبيرة يسكنها حوالي الفين أو ثلاثة آلاف من المواطنين وفيها حوالي (300_400) منزل، ويقطعها شارع واحد يمر في منتصفها وهو الشارع الذي يكمل طريق ماوه ت السليـمانيـة، وعلى طرفي الشارع بعض الدكاكين وعدد من الدور الحكومية الصغيرة”
عندما وصلت دار المحكمة وجدت فيها المرحوم عمر حبيب الذى كان حاكمٱ للمحاكم الحكومية، وكان من أعضاء الحزب الديمقراطي الكوردستاني القدماء كان رئيساً للمحكمة العليا فى كوردستان، كما وجدت المرحوم حسن سيد أحمد الذي كان يعمل سابقاً فىي المحاكم وفي دوائر تسوية الاراضي، وكلاهما كانت لي معرفة وصداقة سابقة معهما، فكنت على صداقة مع عمر حبيب منذ أوائل الخمسينيات أو أواخر الاربعينيات عندما كان محامياً وتربطنا بأكثر عوائل كويسنجق علاقات قرابة أو صداقة ،وكان أكثرهم اصدقاء لشقيقي كاك أحمد أو رفيقأ حزبياً له، اما حسن سيد أحمد فكانت لي معرفة به منذ سنة 1954 عندما نقل من السليمانية الى أربيل كموظف فى دائرة التسوية، وكان حسن يقوم بمهمة عضو فى المحكمة الكبرى التى تم تشكيلها فيما بعد، اما العضو الآخر روبيتان الجاف فكان يعيش فى مكان آخر خارج بناية المحكمة، كان دائم الحذر والقلق خوفاً من القصف الجوي. وكان يرافق الحاكم عمر حبيب رئيس المحكمة ابن شقيـقه الشاب فرهاد عوني، الذي كان يعمل كأحد كتاب الضبط في المحكمة (وهو نقيب صحفيي كوردستان في الوقت الحاضر) رحب بي الجميع عند وصولي وأبدوا سرورهم، ووجدت بأن البهو الذي يتوسط الغرف يتخذ كغرفة نوم رئيسية وفرش فيها كل من الحاكم عمر وفرهاد فراشيهما هناك، أما حسن سيد أحمد فأتخذ من غرفة صغيرة كانت تستعمل كحمام ومدخلها من البهو كغرفة نوم له، وحصل على سرير حديدي ووضعه في الغرفة الصغيرة المذكورة التى تكاد أن لا تتسع للسرير.
وبعد استراحة قصيـرة وشرب الشاي وضعت فراشي ايضاً فى ذلك البهـو مشاركاً عمر حبيب وفرهاد عوني ثم اطلعني الحاكم عمر على تشكيـلات المحاكم فكانت المحكمة العليا للثورة هي بمثابة محكمة التمييز وتعتبر أعلى سلطة قضائية برئاسة الحاكم عمر حبيب، وعضوية كل من الحقوقي روبيتان الجاف وأنا، ويضاف الملا جميل الروزبياني في القضايا الشرعـية، ومحكمة الجزاء الكبرى انيطت رئاستها وكالة بي وعضوية حسن أحمد وكذلك عضوية الحقوقي كمال الحاج مصطفى، الذي كان حاكماً في منطقة أخرى ثم جرى نقله الى ماوه ت، اما حاكمية التحقيق فقد انيطت بي ايضأ بصورة مؤقتة، وكنت أتولى مسؤولية الاشراف قضائيا على المعتقل والسجن، وكان هنالك ضابطان برتبة نقيب يعملان كمدعيين عامين في المحكمة أولهما نقـيب الشرطة كمال أحمد برقي الذى كان مدعيأ عاما مدنيأ وهو الذي كان بحوزته صورة من السجل الخاص بأسماء المعتقلين، ونوع تهمهم وكذلك اسماء بعض المحكومين ومدد احكامهم، اما الاخر فكان الشهيد نقيب الشرطة طاهر صالح الملقب ب(طاهر نايلون) فكان يشغل منصب المدعي العام العـسكري، وكانا شخصين لطيفين ومهذبين.