لا وصاية علىٰ الكورد …ولا تهديد لوطنهم

عرفان الداوودي

حين يخرج المدعو عبد الكريم خلف بتصريحات عصابية يتحدث فيها عن “تحويل أربيل إلى كتلة من نار” و”إنهاء القيادة الكردية”، فهو لا يعبّر عن خلاف سياسي عابر، بل يكشف عن ذهنية خطيرة تعيد إلى الأذهان لغة التهديد والإقصاء التي دفع العراق أثمانًا باهظة بسببها.

إن أربيل ليست ساحة حرب ولا ورقة ضغط، بل مدينة عراقية آمنة وركن دستوري من أركان الدولة الاتحادية. والكورد ليسوا طارئين على هذا الوطن، بل شركاء في تأسيسه، وقد دفعوا عبر العقود ثمنًا باهظًا من دمائهم ومعاناتهم في مواجهة الدكتاتورية والإرهاب على حد سواء.

لغة “النار” و”الإنهاء” ليست مفردات دولة، بل مفردات صراع وفوضى. ومن يخاطب مكوّنًا أساسيًا من مكوّنات العراق بهذه الطريقة إنما يطعن في جوهر الشراكة الوطنية، ويقوّض ما نصّ عليه الدستور العراقي من مبادئ التعددية والاتحاد والحقوق المتساوية.

لقد عرف العراق جيدًا نتائج الخطاب التحريضي، وعانى الكورد بشكل خاص من سياسات القمع والتهجير والاعتداءات التي لا تزال جراحها حاضرة في الذاكرة الوطنية. لذلك فإن أي تهديد جديد، مهما كان مصدره، يُعد استفزازًا خطيرًا للسلم الأهلي واستخفافًا بتضحيات العراقيين جميعًا.

الخلافات السياسية تُحل بالحوار ومن خلال المؤسسات الدستورية، لا بالوعيد والتصعيد. وأي خطاب يتجاوز حدود النقد السياسي إلى التهديد العلني ينبغي أن يُواجَه بموقف قانوني واضح يحفظ هيبة الدولة ويمنع الانزلاق إلى منطق الفوضى. فالدولة التي تحترم نفسها لا تسمح بالتحريض على مكوّن من مكوّناتها، ولا تقبل المساس بأمن مدنها واستقرارها.

لقد اختار الكورد الشراكة ضمن عراق اتحادي، وتمسكهم بحقوقهم الدستورية ليس عدوانًا على أحد، بل التزام بإطار قانوني صوّت عليه العراقيون جميعًا. ومن يهدد مكوّنًا أساسيًا إنما يهدد وحدة العراق نفسها.

العراق لا يُدار بعقلية الثكنة، بل بعقل الدولة. ومن يحنّ إلى لغة القوة والنار فليتذكر أن الوطن لا يُبنى بالتهديد، بل بالعدالة والاحترام المتبادل وسيادة القانون. لم تعد مثل هذه التصريحات مفاجئة، لكنها تبقى مرفوضة شكلًا ومضمونًا. ومن هنا، فإننا نطالب الجهات المعنية باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وفق الأطر الدستورية، لضمان عدم تكرار خطاب التحريض والتهديد، وصون وحدة العراق على أساس الشراكة والاحترام المتبادل وسيادة القانون .

قد يعجبك ايضا