كوردستان.. هندسةُ التعايش وأخلاقُ النهج البارزاني

أحمد زبير باني

ليست قيمةُ التعايش في إقليم كوردستان نتاجَ ظرفٍ سياسي عابر، ولا مجرّد استجابةٍ تكتيكية لتحوّلات المنطقة؛ بل هي بنيةٌ أخلاقية تراكميّة، صاغتها الجغرافيا كما صاغتها الذاكرة، ورسّختها التجارب كما رسّختها التضحيات. إنها خلاصةُ تاريخٍ طويل تعلّم فيه المجتمع أن البقاء لا يتحقّق بإلغاء الآخر، بل بالاعتراف به، وأن الاستقرار لا يُبنى على التجانس القسري، بل على إدارة الاختلاف بحكمةٍ وعدالة.

لقد احتضنت هذه الأرض تنوّعاً دينياً وقومياً عريقاً، ولم تنظر إليه باعتباره عبئاً ينبغي احتواؤه، بل طاقةً ينبغي تنظيمها، وثراءً ينبغي صونه. فالاختلاف في كوردستان لم يكن شقاقاً وجودياً، بل معطىً طبيعياً في تكوين المجتمع؛ وما ميّز التجربة الكوردستانية هو قدرتها على تحويل هذا المعطى إلى قاعدةٍ للتعايش، لا إلى سببٍ للصراع.

في هذا السياق، يبرز النهج البارزاني بوصفه لحظة تأسيس أخلاقي في الوعي السياسي الكوردستاني. لم يكن مساراً سلطوياً تقليدياً، بل رؤيةً للدولة تقوم على الشراكة الوجودية بين مكوّناتها. لم يُبنَ على منطق الغالب والمغلوب، ولا على حسابات الأكثرية والأقلية، بل على مبدأ الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية. فالوطن، في هذه الرؤية، لا يُختزل في هويةٍ واحدة، بل يتكوّن من مجموع الهويات التي تمنحه معناه وثراءه.

ومن هنا، لم تكن حماية التنوّع مجرّد خطابٍ أخلاقي، بل ضرورةً سياسية واستراتيجية. فالمجتمع الذي يشعر فيه كل فردٍ بالأمان القانوني والرمزي هو مجتمعٌ أكثر مناعةً، وأشدّ قدرةً على الصمود أمام التحديات. وقد تحوّلت هذه القناعة إلى سياساتٍ وممارساتٍ مؤسساتية تُترجم في التشريعات، وفي الخطاب الرسمي، وفي الثقافة العامة.

ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال الدور المحوري للرئيس مسعود البارزاني في ترسيخ هذه القيم وتعزيزها. فقد تعامل مع التنوّع بوصفه مسؤوليةً تاريخية، لا خياراً سياسياً عابراً، واعتبر حماية المكوّنات الدينية والقومية جزءاً من صميم الهوية الكوردستانية، لا مسألةً خاضعةً للمساومات. وفي اللحظات المفصلية التي شهدتها المنطقة، برز هذا الموقف بوضوح؛ إذ قُدّمت حماية الإنسان، أيّاً كان دينه أو قوميته، بوصفها أولويةً تتقدّم على كل الحسابات الضيّقة. وهكذا لم يكن الدفاع عن التعايش تعبيراً عن ضعف، بل تجسيداً لقوةٍ أخلاقية واعية بذاتها، تستمدّ مشروعيتها من التزامها بالإنسان قبل أي اعتبارٍ آخر.

إن ما يميّز تجربة إقليم كوردستان أنها لم تكتفِ بإدارة التنوّع، بل سعت إلى هندسته ضمن إطار المواطنة الجامعة. ففي محيطٍ إقليمي كثيراً ما ارتبط فيه الاختلاف بالتنازع، قدّمت كوردستان نموذجاً مغايراً: الكنيسة، والمسجد، والمعبد، ليست حدود تماسّ، بل ملامح طبيعية في مشهدٍ وطني واحد. والتعايش هنا ليس تسامحاً بارداً، بل علاقةً قائمةً على الاحترام المتبادل، والاعتراف الصريح بحق كل مكوّن في أن يكون شريكاً كاملاً في الوطن.

فلسفياً، يمكن قراءة التجربة الكوردستانية باعتبارها محاولةً لتجاوز ثنائية الدولة الدينية المنغلقة والدولة العلمانية المتصلّبة. إنها بحثٌ عن دولةٍ أخلاقية لا تُقصي الدين، ولا تُوظّفه للإقصاء، بل تنظّم حضوره في المجال العام ضمن إطار العدالة وسيادة القانون. دولةٌ يكون فيها الإنسان هو الغاية، لا الأداة، ويكون فيها الاختلاف عنصرَ ثراءٍ لا مصدرَ تهديد.

لقد وُلدت قيم التعايش في كوردستان في سياق تحدّيات وجودية، لا في لحظة رخاء؛ وهذا ما يمنحها صدقيتها التاريخية. فالقيمة التي تصمد في وجه الخطر ليست شعاراً عابراً، بل جزءاً من البنية العميقة للوعي الجمعي. ومن هنا، فإن الحفاظ عليها اليوم لا يتحقّق بالاحتفاء الرمزي وحده، بل بتجديدها عبر التعليم، والإعلام، والخطاب الديني المسؤول، والسياسات العادلة التي تُشعر كل مواطن بأنه شريكٌ كامل في الحاضر والمستقبل.

إن النهج البارزاني، بما يمثّله من رؤيةٍ أخلاقية وسياسية، ليس سرديةً من الماضي، بل مشروعاً مفتوحاً على المستقبل. فهو يؤكد أن التنوّع، إن لم يُحَط بسياج العدالة، تحوّل إلى هشاشة؛ وإن أُدير بالحكمة، صار مصدر قوةٍ واستقرار. وفي عالمٍ تتصاعد فيه النزعات الإقصائية والهويات الصلبة، تظل تجربة إقليم كوردستان شاهداً على أن التعايش ليس حلماً مثالياً، بل خياراً واقعياً يحتاج إلى إرادةٍ واعية وشجاعةٍ أخلاقية.

إن كوردستان لم تجعل من التنوّع مشكلةً تبحث لها عن حل، بل جعلت منه أساساً تبني عليه ذاتها. وهكذا أصبح التعايش فيها ليس مرحلةً عابرة، بل مشروعاً دائماً؛ مشروعٌ بدأ بفكرة، وترسّخ بنهج، ويتجدّد بإرادة شعبٍ أدرك أن قوة الأوطان لا تُقاس بدرجة تجانسها، بل بقدرتها على تحويل اختلافها إلى وحدةٍ أخلاقية حيّة، تنتصر للإنسان أولاً وأخيراً

قد يعجبك ايضا