حين تُجلي الدول رعاياها… كيف يُعاد ترتيب ميزان القوة في الشرق الأوسط؟

سالي علي

في علم الأزمات الدولية، لا تُقاس خطورة اللحظات المفصلية بحجم التصريحات السياسية، بل بطبيعة القرارات الصامتة التي تصدر خلف الكواليس. ومن أكثر هذه القرارات دلالةً: دعوات إجلاء المواطنين الأجانب. فعندما تطلب دول كبرى مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا والهند من رعاياها مغادرة دول مثل إيران ولبنان، فذلك لا يُقرأ كإجراء احترازي عادي، بل كمؤشر استخباراتي على احتمالات تصعيد ميداني قد يتجاوز الحسابات التقليدية.

المشهد الإقليمي الراهن لا يشير بالضرورة إلى حرب شاملة وشيكة، لكنه يعكس دخول المنطقة مرحلة “الهشاشة الاستراتيجية”، حيث تصبح احتمالات سوء التقدير أو الانزلاق غير المقصود أعلى من أي وقت مضى. فالحروب الحديثة لا تبدأ دائمًا بقرار سياسي مباشر، بل قد تنفجر نتيجة حادثة محدودة تتحول إلى سلسلة تفاعلات متبادلة خارج السيطرة.

المفارقة أن الأطراف الرئيسية لا ترغب رسميًا في مواجهة واسعة:
واشنطن لا تريد انخراطًا عسكريًا طويلًا جديدًا،
طهران تدرك مخاطر المواجهة المباشرة،
وإسرائيل تميل عادة إلى عمليات ردع محسوبة بدل الحروب المفتوحة.

لكن التاريخ يثبت أن غياب الرغبة بالحرب لا يلغي احتمال وقوعها، بل أحيانًا يزيده، لأن الصراعات غير المباشرة قد تتصاعد تدريجيًا حتى تتجاوز قدرة الأطراف على ضبطها.

السيناريو الأكثر ترجيحًا في المرحلة المقبلة يتمثل في نمط “الاشتباك متعدد الساحات”، حيث تتداخل الجبهات في العراق وسوريا ولبنان والممرات البحرية، ضمن صراع نفوذ طويل بين المحور الإيراني وشبكات التحالف الغربية، مع بقاء إسرائيل عنصرًا مركزيًا في معادلة الردع والتصعيد.

غير أن قراءة المشهد الإقليمي تظل ناقصة دون فهم الموقع الجيوسياسي لإقليم كوردستان. فـإقليم كوردستان لم يعد مجرد كيان إداري داخل دولة اتحادية، بل تحوّل خلال السنوات الماضية إلى عقدة توازن إقليمي تجمع بين الحضور الدبلوماسي الغربي، والتنسيق الأمني الدولي، والبيئة الاستثمارية الأكثر استقرارًا نسبيًا في العراق.

وجود القنصليات الأجنبية، والتعاون العسكري مع التحالف الدولي، ودور قوات البيشمركة في منظومة الأمن الإقليمي، كلها عوامل جعلت الإقليم جزءًا فعليًا من معادلة الاستقرار الشرق أوسطي، وليس مجرد متأثر بالأحداث. لذلك فإن أي تصعيد واسع في المنطقة يرفع من أهمية الإقليم بوصفه نقطة ارتكاز جيوسياسية، كما يزيد في الوقت نفسه من حجم الضغوط والتحديات التي قد يواجهها.

الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق دقيق:
إما احتواء التوتر ضمن حدود محسوبة،
أو الدخول في مرحلة إعادة تشكيل توازنات قد تمتد آثارها لسنوات.

وفي عالم تحكمه موازين القوة لا النوايا، يبقى السؤال الأكثر واقعية:
هل نحن أمام موجة تصعيد عابرة… أم بداية إعادة رسم للخريطة الإقليمية؟

قد يعجبك ايضا