عرفان الداوودي
لم يعد الحديث عن الفساد في العراق ترفاً سياسياً أو مادةً للسجال الإعلامي، بل أصبح توصيفاً لواقعٍ ينهش جسد الدولة من أعلى هرمها إلى أدنى مفاصلها. فالملف لم يعد محصوراً بوزارة أو محافظة، بل تمدّد ليطال مؤسسات يفترض أنها عنوان الرقابة والتشريع والرمزية السيادية.
تضخم وظيفي… وموظفون “فضائيون”
تُثار أرقام صادمة عن وجود آلاف الموظفين في بعض المؤسسات، بينهم عدد كبير يُوصَفون بـ“الفضائيين”، يتقاضون رواتب من دون حضور أو إنتاج. وفي وقتٍ أعلن فيه المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني عن إجراءات لترشيد الإنفاق، شملت إنهاء عقود عدد من المستشارين والخبراء، والتأكيد على التزام المؤسسات بقرارات مجلس الوزراء المتعلقة بضبط المصروفات، يبقى السؤال:
هل تكفي البيانات وحدها لاقتلاع منظومة متجذّرة؟
إذا كانت الحكومة جادة في ترشيد الإنفاق، فالأولى أن يبدأ الإصلاح من الرئاسات والهيئات العليا، حيث تتكدّس الدرجات الخاصة والمستشارون والخبراء، في وقتٍ يعاني فيه المواطن من تراجع الخدمات وارتفاع البطالة وتآكل القدرة الشرائية.
خطاب الاعتراف… بلا محاسبة
المفارقة أن كثيراً من المسؤولين يتحدثون علناً عن الفساد، ويقرّون بانتشاره في مفاصل الدولة، لكن قلّما نرى نتائج حاسمة أو ملفات تُغلق بأحكام رادعة.
وقد أثارت تصريحات النائب وعضو لجنة النزاهة مشعان الجبوري جدلاً واسعاً حين أشار إلى أن الجميع يتحمّل المسؤولية، في إقرارٍ صادم بعمق الأزمة واتساع دائرتها.
لكن الاعتراف، مهما كان صريحاً، لا يُغني عن المساءلة. فالدولة لا تُدار بالتعميم، بل بتحديد المسؤوليات ومحاسبة المقصّرين، أياً كانت مناصبهم أو عناوينهم.
أين يكمن الخلل؟
الخلل ليس في القوانين فحسب، بل في غياب الإرادة السياسية الصلبة لتطبيقها.
• تضخم الجهاز الإداري بلا حاجة فعلية.
• توزيع المناصب كمكافآت سياسية.
• ضعف أجهزة الرقابة أمام نفوذ الكتل والأحزاب.
• ثقافة تبرير الفساد بدلاً من اجتثاثه.
وحين يصبح الفساد “أمراً واقعاً” يتعايش معه الجميع، تتحول الدولة إلى شبكة مصالح متبادلة، لا إلى مؤسسة تخدم مواطنيها.
العراق أولاً… فعلاً لا قولاً
إن فضح الفساد ليس استهدافاً للدولة، بل دفاعٌ عنها. ومواجهة هذا النزيف تبدأ بخطوات واضحة:
1. كشف علني لقوائم الموظفين والدرجات الخاصة.
2. تدقيق شامل للرواتب والمخصصات.
3. تفعيل القضاء واستقلاله بعيداً عن الضغوط السياسية.
4. حماية المبلّغين عن الفساد وتشجيع الشفافية.
العراق لا ينقصه المال بقدر ما تنقصه الإدارة النزيهة. وإذا لم تُتخذ قرارات جذرية، فستبقى الشعارات تتكرر، بينما يتآكل ما تبقّى من ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
الفساد حين يصل إلى النخاع لا يُعالج بالمسكنات… بل بعملية جراحية شجاعة تعيد للدولة هيبتها، وللمواطن حقه، وللوطن كرامته .