سمير السوره ميري
حين نتحدث عن الماضي بشغفٍ كأنه حكاية لا تنتهي، وعن زمنٍ لن يعود، فإننا لا نرثي تلك الأيام بقدر مانرثي حاضرنا، نرثي الإنسان الذي تخلى عن إنسانيته تحت وطأة التحوّلات، حين تآكلت قيمه، وأُعيد تشكيل علاقته وفق منطق الربح لا منطق الكرامة.
لقد فقد الإنسان عفويته في علاقاته الإنسانية تدريجيا، فلم يعد بناؤها قائما على المؤدة والتكافؤ، بل على مبدأ المنفعة، وهكذا تحولت العلاقات إلى شبكات تبادل مصالح، بعيدة عن دفء الروابط الإنسانية، مما عزّز حالة من الاغتراب الجماعي، يعيش فيها الفرد صراعا داخليا بين ماهو عليه وما ينبغي أن يبدو عليه.
إن” الاغتراب ” الإنساني الذي تحدث عنه كارل ماركس، حيث أشار إلى لحظة انفصال الإنسان عن ذاته حين يتحول عمله إلى شيء غريب عنه، لم يعد كافيا لتفسير واقعنا، فما نعيشه اليوم يتجاوز ذلك إلى الاغتراب أخلاقي ، إذ يتولّد شكلٌ جديد من اللامساواة الاجتماعية، يُعاد من خلاله تشكيل الوعي الجمعي.
ويرى ميشيل فوكو أن السلطة الحديثة لاتعمل بالقهر المباشر، بل عبر تشكيل مانراه “طبيعيا” أو “مرغوبا”، وهنا تكمن الخطورة: حين يصبح تسليع الإنسان أمرا مألوفا، فتباع الذات كسلعة، ويتحول الإنسان إلى وسيلة للربح والشهرة، ويعامل نفسه كمنتج يحتاج إلى تسويق، وعندها تخسر الإنسانية معناها الحقيقي.
ويأتي ذلك تحت شعارات براقة من قبيل “طوّر نفسك” و”كن علامةً تجارية”، فيُدفع الإنسان إلى تسويق ذاته، ومنافسة الآخرين بوصفه منتجًا قابلًا للتحسين، وهنا تُقاس القيمة بالمنفعة، ويُقاس الإنسان بما يُضهر لا بما يكون، فيُستبدل العمق بالسطح، وتختزل الذات في حضورها داخل السوق.
في هذا السياق تزدهر التفاهة على حساب جوهر القيم الإنسانية، يرتفع الضجيج ويخفت المعنى، ففي سوق التفاهة يصبح السطحيّ هو القاعدة، والعميق استثناءً مُرهقًا، ومع التكرار تنقلب المعايير، يُكافأ المبتذل، وتهمش الحجج أمام صخب الانتشار، فيغدو الظهور أهم من الفكرة، ويميل العقل تحت هذا الضغط إلى الأحكام الجاهزة، وتتراجع مهارات التحليل والنقد، وكما يلمّح غوستاف لوبون فإن الجماهير حين تنخرط في هذا النمط تميل إلى التبسيط والإندفاع أكثر من التعقّل.
وهكذا يتشكل نمط من اللامبلاة الثقافية، حيث يشعر كثيرون بأن الجهد الفكري لايُكافأ، فينصرفون عنه، وبفعل هذا التراكم، يتشكل وعي جمعي هشّ، تنحدر معه المجتمعات تدريجيا نحو هاوية الضعف والإستغلال.