اليوم العالمي للغة الأم… وأفخر أن الله خلقني كوردياً

الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي*

في كل عام، حين يحلّ اليوم العالمي للغة الأم، لا يكون الأمر مجرّد مناسبة ثقافية عابرة، ولا شعاراً يُرفع في قاعةٍ أو يُكتب على لافتة، بل هو يومُ هويةٍ وكرامةٍ واعتزاز. إنّه يومُ الذاكرة التي لا تموت، ويومُ الحرف الذي قاوم، ويومُ الصوت الذي بقي حيّاً رغم كل محاولات الطمس والتهميش.
إن اللغة الأم ليست كلماتٍ نتعلّمها في طفولتنا فحسب، بل هي الوطن الأول الذي نسكنه قبل أن نسكن البيوت، وهي الجسر الذي نعبر به إلى العالم. بها نُصلّي، وبها نحبّ، وبها نبكي ونحلم ونكتب تاريخنا. واللغة الكوردية، بتاريخها العريق ولهجاتها الغنية وأدبها الرفيع، ليست لغة أقلية، بل لغة أمةٍ حيّةٍ قدّمت للعالم فكراً وشعراً ونضالاً وثقافة.
في هذا اليوم، أقولها بوضوحٍ واعتزاز: أفخر أن الله خلقني كوردياً. أفخر بلغتي التي تعلّمتُ بها أول كلمة، وسمعتُ بها أول دعاءٍ من أمي، وردّدتُ بها أول آيةٍ من كتاب الله. أفخر بهويتي التي لم تكن يوماً ضد أحد، بل كانت دائماً مع الحق والعدل والإنسان.
لقد أنجبت الأمة الكوردية رجالاً خدموا الإسلام والإنسانية، وفي مقدمتهم القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي، الذي لم يُعرف بقوميته بقدر ما عُرف بعدله وشهامته وتسامحه. وكان شاهداً على أن الانتماء القومي لا يتعارض مع الانتماء الديني، وأن حبّ الأرض لا يناقض حبّ الأمة.
وفي إقليم كوردستان، حيث تتعانق الجبال مع الكبرياء، تظلّ مدنٌ كـ أربيل شاهدةً على عراقة اللغة والتاريخ، وحارسةً للهوية في وجه العواصف. هنا، اللغة ليست مادةً دراسية فحسب، بل روحاً تسري في تفاصيل الحياة اليومية، في الأسواق، في المدارس، في الأغاني الشعبية، وفي القصائد التي تُلقى على المنابر.
إن اليوم العالمي للغة الأم ليس دعوةً للانغلاق، بل دعوةٌ لاحترام التنوع، وترسيخ ثقافة التعايش، والإيمان بأن العالم أجمل بتعدد لغاته وألوانه. فمن يحترم لغته، يحترم لغات الآخرين. ومن يعتز بهويته، لا يخشى هوية غيره.
واجبنا اليوم أن نحفظ لغتنا الكوردية من التهميش، وأن نطوّرها بالعلم والبحث والترجمة والإبداع، وأن نزرع حبّها في قلوب أبنائنا، لا تعصّباً، بل وعياً ومسؤولية. فاللغة التي لا تُكتب تموت، واللغة التي لا تُدرَّس تضعف، واللغة التي لا تُحبّ تضيع.
في هذا اليوم، نرفع رؤوسنا عالياً، ونقول: لغتنا هويتنا، وهويتنا كرامتنا.
ونقول بثقة المؤمن واعتزاز الحرّ: الحمد لله الذي خلقني كوردياً، وجعل لغتي جسراً إلى الإيمان، وطريقاً إلى المجد، وصوتاً للحق.
كل عام ولغتنا الكوردية بخير،
وكل عام وكوردستان مرفوعة الرأس بلغتها، بثقافتها، وبأبنائها الأوفياء.

قد يعجبك ايضا