الدساتير وإمكانيات التعديل والأنظمة الناجمة عنها

 

إعداد ـ التآخي

الدستور ليس مجرد “ورقة قانونية”، بل هو عقد اجتماعي يفترض أن يعكس هوية الشعب وتطلعاته؛ و ​تاريخيا وفلسفيا، لا يتواجد انموذج “جاهز” يصلح لكل زمان ومكان، لكن هناك ركائز كونية يتفق عليها أغلب فقهاء القانون والسياسة بصفتها ملامح “الدستور الأمثل” الذي يسعى لتحقيق الحرية والاستقرار.

​​الدستور الأمثل هو الذي يمنع “تغول” سلطة على أخرى. لا يكفي فقط فصل السلطات (تشريعية، تنفيذية، قضائية)، بل يجب وضع نظام الرقابة والتوازن (Checks and Balances)، بحيث، ​لا ينفرد رئيس أو رئيس وزراء بالقرار، اذ ​يكون للبرلمان أنياب حقيقية في المحاسبة.

​ويجب ان يتمتع القضاء باستقلال مالي وإداري تام بعيدا عن ضغوط السياسيين.

​​الدساتير العظيمة هي التي تحمي مكونات الشعوب والأقليات والفرد من “دكتاتورية الأغلبية”. الدستور الأمثل يتضمن “وثيقة حقوق” غير قابلة للمسّ، تضمن: ​حرية التعبير والاعتقاد، ​المساواة الكاملة أمام القانون من دون تمييز (عرقي، طائفي، أو جندري)، ​حق الوصول إلى العدالة والمعلومة، الواقعية والانسجام مع البيئة المحلية.

​أكبر خطأ تقع فيه الدول هو “استيراد” دساتير جاهزة. الدستور الناجح يجب أن، ​يحترم الخصوصية الثقافية والاجتماعية من دون أن يصطدم مع حقوق الإنسان العالمية.

​يجب ان يعالج الدستور المشكلات التاريخية للدولة (مثل الفيدرالية في الدول المتنوعة إثنيا، أو المركزية في الدول المتجانسة)، و   الثبات النسبي مع المرونة (آلية التعديل)، ​ولا يجب أن يكون “نصا مقدسا” يستحيل تغييره، ولا “ورقة هشة” يغيرها كل حزب حاكم لمصلحته.

​الدستور الأمثل يضع شروطا صارمة للتعديل (مثل موافقة ثلثي البرلمان أو استفتاء شعبي) لضمان أن التغيير يعكس إرادة وطنية كبرى وليست نزوة سياسية عابرة.

 

لا قيمة للدستور من دون محكمة دستورية عليا مستقلة تماما، تملك الجرأة لإبطال أي قانون يخالف الدستور، وتفسر النصوص بروح القانون لا بروح الولاء الحزبي.

​وتكون طبيعة النظام السياسي في صلب اولويات القوانين الدستورية، لذا اختلفت الرغبات والتطبيقات في الدول المتعددة بشأن افضلية نظام من دون غيره كنمط صالح لدولة او مجتمع ما، كأن يكون النظام رئاسيا او برلمانيا او مختلطا؛ وعلى وفق ذلك تنظم الانتخابات وتصاغ السياسات.

وجه مقارنة النظام الرئاسي بالنظام البرلماني او النظام المختلط، توضح ان مصدر السلطة في النظام الرئاسي يتضمن انتخاب مباشر للرئيس وفي النظام البرلماني الأغلبية البرلمانية وفي النظام المختلط توزيع بين الرئيس ورئيس الوزراء.

الاستقرار في النظام الرئاسي عالي (مدة محددة)، وفي البرلماني مرهون بائتلافات البرلمان، اما المختلط ففيه موازنة بين القوة والمرونة.

المخاطر في النظام الرئاسي تنبثق من احتمالية التفرد بالسلطة ، النظام البرلماني يميزه البطء في اتخاذ القرار (أو الانسداد)، في النظام المختلط يمكن ان يتواجد صراع الصلاحيات بين الرأسين.

الدستور الأمثل ليس هو “الأجمل لغويا”، بل هو الأكثر قابلية للتطبيق الذي يشعر المواطن العادي بأن بنوده تحميه في قسم الشرطة، وتضمن حقه في التعليم، وتصون صوته في صناديق الاقتراع.

 

 

تجارب الدساتير العالمية

 

التجارب الدولية هي المختبر الحقيقي الذي يثبت أن الدساتير ليست مجرد نصوص قانونية، بل هي “أدوات جراحية” تهدف لترميم التصدعات الوطنية.

​لدينا ثلاث تجارب ملهمة، كل واحدة منها عالجت خللا دستوريا بأسلوب مختلف؛ ​تجربة جنوب أفريقيا (1996): “دستور المصالحة والعدالة”، ​بعد عقود من الفصل العنصري (Apartheid)، كان التحدي هو: كيف نكتب دستورا يطمئن الأقلية البيضاء (التي كانت تملك السلطة) ويُنصف الأغلبية السوداء (التي عانت الاضطهاد)؟

​الحل العبقري: لم يركز الدستور على “من يحكم” فقط، بل ركز على “كيف يُحكم”، ​الميزة الكبرى: تضمن الدستور “حقوقا اجتماعية واقتصادية” ملزمة للدولة (مثل الحق في السكن والمياه)، مما جعل الدستور قريبا من حياة الفقراء.

​الدرس المستفاد: الدستور يمكن أن يكون أداة لإنهاء النزاع التاريخي إذا بُني على مبدأ “لا غالب ولا مغلوب” تحت سقف القانون.

​ تجربة ألمانيا (1949): “الديمقراطية المحصنة”، ​بعد كوارث الحرب العالمية الثانية، صاغ الألمان “القانون الأساسي” بهدف رئيس: منع ظهور دكتاتور جديد أو انهيار النظام السياسي.

​الحل العبقري: “بند الأبدية”. هناك مواد في الدستور الألماني يُمنع تعديلها نهائيا، مثل كرامة الإنسان ومبادئ الديمقراطية والحرية والفيدرالية.

​الميزة الكبرى: نظام “آلية سحب الثقة البنّاءة”؛ فلا يمكن للبرلمان إقالة رئيس الوزراء إلا إذا اتفق مسبقا على البديل، وهذا يمنع الفراغ السياسي والانسداد الذي تعاني منه دول كثيرة. ​الدرس المستفاد: حماية الدستور من “أهواء اللحظة” ومن استغلال الأغلبية لتحويل النظام إلى استبداد.

​ تجربة تونس (2014): “دستور التوافق الصعب”: ​برغم التحديات اللاحقة، يُعد دستور 2014 في تونس (قبل تعديلات 2022) انموذجا لكيفية كتابة دستور في مجتمع منقسم أيديولوجيا بين تيار مدني وتيار إسلامي.

 

 

​الحل العبقري: صياغة “نصوص حمالة أوجه” وافق عليها الجميع للخروج من عنق الزجاجة، مع توزيع السلطة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة (نظام شبه رئاسي).

​الميزة الكبرى: كان أول دستور عربي يقر بوضوح بمبدأ “الدولة المدنية” مع احترام الهوية، وأعطى صلاحيات واسعة للهيئات المستقلة (مثل هيئة الانتخابات).

​الدرس المستفاد: أحيانا يكون التوافق السياسي الهش أفضل من الصدام الشامل، لكن عيبه أنه قد يؤدي إلى “تشتت السلطة” إذا لم تكن هناك قيادة سياسية ناضجة.

​مقارنة الدروس المستفادة لهذه الدول، في جنوب أفريقيا الانقسام العرقي انتج وثيقة حقوق شاملة ومصالحة واستقرار اجتماعي وتداول سلمي للسلطة؛ في المانيا  خطر الدكتاتورية والفوضى ادى الى تحصين المواد الأساسية ومركزية الاستقرار وانتاج أقوى اقتصاد ونظام سياسي في أوروبا.

تونس (2014) الصراع الأيديولوجي النظام شبه الرئاسي والتوافق ادى الى نجاح في الانتقال وفشل في الاستقرار التنفيذي.

 ​جميع هذه الدول أدركت أن النصوص وحدها لا تكفي. النجاح اعتمد على، ​ثقافة الالتزام، وإيمان السياسيين بأن مخالفة الدستور هي “انتحار سياسي”، وفيما يتعلق بالمحكمة الدستورية: تواجد قضاة مستقلين تماما يفسرون النص بعيدا عن ضغوط الأحزاب.

في بعض الدساتير يبرز “الانسداد السياسي” (Political Deadlock) الناتج عن نصوص حمالة أوجه، أو ما يسميه فقهاء القانون بـ “النصوص الرمادية”، ففي الدساتير التي تُكتب في لحظات الصراع (كما حدث في العراق عام 2005)، غالبا ما يجري اللجوء إلى “الغموض البنّاء” لإرضاء جميع الأطراف، لكن هذا الغموض يتحول لاحقا إلى لغم ينفجر عند كل استحقاق انتخابي.

​وعند اللجوء الى تحليل للمشكلة من منظور دستوري مقارن، وكيف عالجت دول أخرى هذا النوع من “المطبات”، يظهر لنا الآتي: ​  فيما يتعلق بعقدة “الكتلة الأكبر” وتوقيتات تشكيل الحكومة: ​المشكلة في بعض الدساتير أنها لا تحسم تعريف “الكتلة الأكبر”، هل هي التي تفوز في الانتخابات، أم التي تتشكل داخل البرلمان لاحقا؟ هذا الغموض يفتح الباب للتأويلات السياسية والمناورات التي تستهلك وقتا ثمينا.

​الحل في الدساتير الناجحة، يتمثل في ​تحديد قاطع: النص صراحة على أن الحزب الفائز بأعلى الأصوات هو من يُكلف أولا (النموذج البريطاني أو الإسباني)، ومعظم البلدان الديمقراطية.

​وتوضع لهذا مدد زمنية “ساقطة”: وضع مدد زمنية صارمة، فإذا فشل المكلف خلال 30 يوما، ينتقل الحق تلقائيا للمنافس، وإذا فشل الجميع، يُحل البرلمان آليا وتُعاد الانتخابات (كما في إسرائيل أو اليونان). هذا يمثل “تهديدا” للسياسيين يدفعهم للتنازل خوفا من فقدان مقاعدهم.

و​عندما يغمض النص، تتدخل المحكمة الدستورية. في الدول المستقرة، يكون تفسير المحكمة نهائيا وسريعا. لكن في الأنظمة الناشئة، قد تجد المحكمة نفسها مضطرة لتقديم تفسيرات “توفيقية” لمحاولة منع الانهيار، مما قد يزيد المشكلة تعقيدا في الدورات اللاحقة.

​​الدستور هو الهيكل العظمي، لكن القوانين المكملة هي العضلات. كثير من الأزمات ليست بسبب الدستور نفسه، بل بسبب غياب قوانين تنظم، ​تحالفات ما قبل وما بعد الانتخابات، و ​إجراءات جلسة البرلمان الأولى (التي تظل مفتوحة أحيانا في خرق واضح لروح الدستور).

كيف عالجت الدول “سنة الفراغ الحكومي”؟

يتسنى لنا مقارنة لكيفية تعامل الأنظمة مع حالات التأخير في تشكيل الحكومة في دول متعددة: في بلجيكا بقاء “حكومة تصريف أعمال (سجلت رقما قياسيا بـ 541 يوما) ولكن هناك استقرار في المؤسسات لأن البيروقراطية (الموظفين) منفصلة عن السياسيين.

إسبانيا إذا لم تُشكل حكومة في غضون شهرين من أول تصويت، يُحل البرلمان فورا، لإجبار الأحزاب على التحالف السريع خوفا من غضب الناخبين.

ألمانيا “التحالف الكبير”؛ يُجبر الخصوم على الحكم معا إذا لم يتواجد بديل، ولكن في ظل استقرار المؤسسات وتواصل الخدمات بأنواعها للسكان، يتوفر استقرار حكومي طويل الأمد لكنه يضعف المعارضة.

و​لحل معضلة “السنة الضائعة” من عمر الدورة الانتخابية، يقترح المختصون عادة حلولا قانونية حاسمة: ​بحسم تعريف الكتلة، بالنص على أنها القائمة الفائزة ليلة الانتخابات لمنع بيع وشراء الذمم البرلمانية لاحقا.

​وبتفعيل “الحل التلقائي”: إذا لم ينجح البرلمان في انتخاب رئيس أو حكومة في 60 يوما، تذهب الدولة لانتخابات مبكرة من دون الحاجة لتصويت البرلمان على حل نفسه، و ​تحديد صلاحيات تصريف الأعمال، لضمان عدم بقاء حكومة منتهية الصلاحية تتحكم بالمقدرات من دون رقابة.

​ان التحول من النظام البرلماني إلى الرئاسي (أو شبه الرئاسي) هو أحد أكثر الحلول المطروحة للنقاش لإنهاء حالة “تشتت المسؤولية”، ​ التحول للنظام الرئاسي يمثل قوة الحسم مقابل خطر التفرد، ​في النظام الرئاسي، يُنتخب رئيس السلطة التنفيذية مباشرة من الشعب، مما يعطيه شرعية قوية تتجاوز صفقات الأحزاب داخل البرلمان. ​الميزة: سرعة تشكيل الحكومة واستقرارها (لا تسقط بانسحاب حزب صغير من ائتلاف).

​التحدي في العراق يتمثل في ان النظام البرلماني وُضع عام 2005 كصمام أمان لمنع عودة “الدكتاتورية الفردية”. التخوف هو أن النظام الرئاسي في بيئة غير مستقرة قد يتحول سريعا إلى سلطة مطلقة، ما لم تكن هناك مؤسسات قضائية ورقابية قوية جدا.

​​المطالبة بـ “عقد اجتماعي جديد” تعني أن الدستور الحالي لم يعد يستوعب التغيرات الديموغرافية وتطلعات الجيل الجديد.

​العقد الجديد يجب أن يجيب على أسئلة جوهرية: هل نحن دولة مواطنة فردية أم دولة مكونات؟ كيف تُوزع الثروة؟ وكيف تُدار العلاقة بين المركز والأقاليم؟

​بناء هذا، العقد يتطلب إجماعا وطنيا شاملا، وليس مجرد تعديل قانوني، لضمان قبول الجميع بقواعد اللعبة الجديدة.

​وكحل عملي آني وواقعي يتوجب السماح للحاصل على أعلى الأصوات بتشكيل الحكومة، و هو الحل الأقرب للتطبيق “حاليا” لإنهاء الانسداد، وكذلك بالعدالة الديمقراطية: هذا التوجه يعيد القيمة لصوت الناخب؛ فمن يفوز في الصناديق هو من يحكم، بدلا من أن تُصادر إرادة الجمهور خلف الكواليس عبر تحالفات ما بعد الانتخابات.

​ إذا نص الدستور (أو قانون الانتخابات) صراحة على أن “القائمة المنفردة الفائزة أولا” هي المكلفة حصرا، ستنتهي فورا شهور التفاوض والابتزاز السياسي التي تتبع كل انتخابات.

الميزة في النظام البرلماني الحالي  ان تشكيل الحكومة خاضع للمساومات (قد يستغرق سنة) اما في النظام الرئاسي التشكيل فوري (الرئيس يشكل فريقه)، في النظام البرلماني، المسؤولية ضائعة بين الأحزاب والكتل، في النظام الرئاسي المسؤولية واضحة (الرئيس هو المسؤول أمام الشعب).

في النظام البرلماني الاستقرار هش ومعرض للانهيار المستمر، في النظام الرئاسي الوضع مستقر وثابت طيلة الدورة، ابرز مخاطر النظام البرلماني المخاطرة وانسداد سياسي وشلل مؤسساتي، اما مخاطر النظام الرئاسي فتتمثل في احتمال عودة الحكم الفردي.

واستنادا الى المعايير الدستورية والدستور المقارن يظهر أن العراق بحاجة فعليا إلى “هندسة دستورية” جديدة تسد الثغرات التي استُغلت لتعطيل الدولة. إن حصر التكليف بالفائز الأول ووضع سقف زمني لا يتجاوز 30 يوما لتشكيل الحكومة، مع خيار الحل التلقائي للبرلمان، قد يكون “العلاج الصدمي” الضروري لإجبار الطبقة السياسية على احترام التوقيتات الدستورية.

​ وفي العادة ان الدساتير تُعدل عندما تقتضي الضرورة القانونية أو السياسية تحديث نصوصها، إضافتها، أو حذفها لمواكبة التطورات، وعادة ما يجري ذلك عبر إجراءات معقدة ومشددة (دستور جامد) لضمان الاستقرار، يجري التعديل غالبا عبر آليات برلمانية (أغلبية الثلثين) أو استفتاء شعبي، وتقتصر على مواد غير محصنة.

أسباب ومواعيد تعديل الدساتير من دون الحاجة لوضع دستور جديد، تنبثق عند حدوث تغيرات في النظام السياسي أو الحاجة لتوسيع الحقوق والحريات، و لمعالجة مشكلات أفرزها الواقع أو لملء فراغات قانونية.

في العراق يجري التعديل (مثال: الدستور العراقي 2005) على وفق   (المادة 126)، باقتراح من رئيس الجمهورية / مجلس الوزراء، أو ربع أعضاء مجلس النواب، او بشكل استثنائي (المادة 142)  بتشكيل لجنة من مجلس النواب لتقديم تقرير بالتعديلات الضرورية في مدة محددة؛ ويجري التعديل بتحصين بعض المواد (مثل المبادئ الأساسية، الحريات، أو مدة الرئاسة).

قد يعجبك ايضا