مانيسا النقشبندي
مانيسا النقشبنديفي كل مرة يطفو ملف العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية وحكومة دمشق إلى السطح يتكرر المشهد ذاته بيانات وتصريحات متقابلة كل طرف يؤكد تمسكه بثوابته فيما تبدو الوقائع على الأرض أكثر تعقيداً من أي خطاب سياسي.
إعلام قسد يتحدث عن لا مركزية سياسية وعسكرية وإدارية داخل سوريا موحدة بينما تؤكد دمشق أنها لا تقبل سوى بلا مركزية إدارية تحت سقف الدولة وجيشها الواحد وبين المصطلحين مساحة واسعة من الالتباس تختلط فيها السياسة بالتوازنات العسكرية والحسابات الداخلية بالإرادات الإقليمية.
اللافت أن الطرفين يستخدمان كلمة اللامركزية لكن بمضمونين مختلفين جذرياً.
قسد ترى أن أي حل مستدام يقتضي الاعتراف بإدارة محلية منتخبة وبخصوصية أمنية وعسكرية نابعة من واقع الحرب ضد داعش وما أفرزته من بنى عسكرية كما تعتبر أن إدارة الموارد في شمال وشرق سوريا يجب أن تكون جزءاً من أي صيغة سياسية مستقبلية.
في المقابلوتنطلق دمشق من مبدأ السيادة الكاملة جيش واحد قرار سيادي واحد وإدارة مركزية للموارد مع إمكانية توسيع صلاحيات المجالس المحلية في الجوانب الخدمية والتنموية فقط أي أن الحديث عن خصوصية عسكرية أو إدارة مستقلة للثروات يعد من منظورها مساساً بوحدة الدولة.
لكن الحقيقة أن المشهد لا ينسجم بالكامل مع أي من الطرحين.
فقسد رغم ضعف سيطرتها الميدانية تعمل ضمن توازنات دقيقة تحكمها عوامل خارجية في مقدمتها الوجود الأميركي والضغط التركي المستمر فضلاً عن الحضور الفرنسي كلاعب وسيط وهذا يجعل مشروعها السياسي مرتبطاً بمعادلات إقليمية لا يمكن تجاوزها.
أما دمشق ورغم تأكيدها المتكرر على استعادة كامل السيادة فهي تواجه تحديات اقتصادية وعسكرية تجعل إعادة إنتاج نموذج ما قبل 2011 أمراً بالغ الصعوبة. فالخريطة السورية ما تزال موزعة النفوذ والواقع يفرض أشكالاً من التفاهمات غير المعلنة.
في هذا السياق يصبح الخطاب الإعلامي جزءاً من معركة تفاوضية رفع السقف من قبل قسد يعزز موقعها في أي حوار محتمل ويطمئن قاعدتها الاجتماعية وفي المقابل تمسك دمشق بالمركزية الكاملة يحفظ مبدأ الدولة الموحدة ويمنع فتح الباب أمام مطالب مشابهة في مناطق أخرى.
هكذا يتحول الإعلام إلى مساحة لإدارة التوقعات أكثر منه انعكاساً دقيقاً للوقائع.
السيناريو الأقرب في المدى المنظور هو استمرار الوضع الرمادي لا اتفاق شامل ولا مواجهة حاسمة تفاهمات جزئية تنسيق أمني محدود وإبقاء الملفات الجوهرية مؤجلة بانتظار تبدل في التوازنات الدولية.
أما أي تسوية نهائية فستحتاج إلى إطار دستوري جديد يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف ويعالج مسألتي الجيش والموارد وهما جوهر الخلاف الحقيقي.
الحقيقة أن ليست القضية مجرد تناقض في التصريحات بل تعبير عن مأزق أعمق تعيشه الدولة السورية بعد سنوات الحرب فالشمال الشرقي اليوم ليس كياناً مستقلاً كما أنه ليس خاضعاً بالكامل لسلطة مركزية تقليدية إنه مساحة سياسية معلقة تتشكل ملامحها في ظل صراع الإرادات المحلية والإقليمية والدولية.
وحتى تنضج تسوية شاملة،ك سيبقى الفارق قائماً بين ما يقال في البيانات وما تفرضه موازين القوى على الأرض…