رانيا حسين عبد علي
لم تعد بيوتنا العراقية كما كانت، تلك التي تشبه “الحوش” المفتوح على المحبة؛ فاليوم، وفي غمرة الانفجار الرقمي، تحولت جلساتنا العائلية إلى جزر معزولة، كلٌ منا يبحر في شاشته الخاصة، يبحث عن “إعجاب” من غريب، بينما يتجاهل دفء القريب.
إنَّ ما نعيشه اليوم ليس مجرد تطور تقني، بل هو مخاض اجتماعي عسير، أفرز لنا علاقات “معلبة” وصوراً مثالية لا تشبه واقعنا في شيء. بتنا نهتم بتوثيق “اللحظة” لنشرها، أكثر من اهتمامنا بعيش اللحظة ذاتها. هل تذكرون تلك (الكعدات الصافية) والدردشات التي كانت تداوي جروح الروح؟ لقد استبدلناها بـ “مجموعات الواتساب” الباردة، وبإيموجي القلب الذي لا ينبض.
إنَّ المثقف اليوم، والكاتب الاجتماعي تحديداً، ملزمٌ بوقفة مراجعة؛ ليس لرفض التكنولوجيا، بل لترويضها. نحن بحاجة إلى استعادة “إنسانيتنا” وسط هذا الضجيج. فالمجتمع العراقي، بطبيعته العاطفية والمتكاتفة، يمر باختبار حقيقي لهويته الاجتماعية.
إنَّ العودة إلى البساطة، وإعطاء الأولوية للاتصال الإنساني المباشر، هي “المقاومة الثقافية” الأهم في وقتنا الراهن. لنجعل من منصاتنا جسوراً حقيقية للوعي، لا جدران عازلة تسجن أرواحنا خلف زجاج الشاشات.