حين يصبح العطاء هوية

أحمد زبير باني

يشهد إقليم كوردستان، وتحديدًا مدينتا دهوك وسيميل، ولادةً متجددة لفصلٍ إنسانيٍّ استثنائي، مع انطلاق النسخة الثالثة من برنامج “بهارا خێر و دلۆڤانیێ” (ربيع الخير والمحبة) الذي يقدمه الفرع الأول لـ الحزب الديمقراطي الكوردستاني؛ مبادرة لم تعد مجرد حملة موسمية، بل تحوّلت إلى تقليدٍ اجتماعي راسخ ينتظره الناس كما يُنتظر الربيع بعد شتاءٍ طويل.

ليست السنوات الثلاث رقمًا يُضاف إلى سجل المبادرات، بل هي مسار نضجٍ متدرّج لفكرةٍ آمنت بأن العمل الإنساني لا ينبغي أن يكون استجابة ظرفية، بل التزامًا دائمًا. منذ انطلاقتها الأولى، حملت “بهارا خێر” رؤية واضحة: أن الخير يمكن أن يُدار باحتراف، وأن الرحمة يمكن أن تُترجم إلى خططٍ عملية، وأن العمل السياسي حين يقترب من هموم الناس يتحول إلى فعلٍ خدميٍّ ملموس.

في نسخته الثالثة، يعود البرنامج أكثر اتساعًا وتنظيمًا، حاملاً قناعة راسخة بأن الكرامة الإنسانية هي الأساس الذي تُبنى عليه كل مبادرة ناجحة.

الصحة… كرامة قبل أن تكون خدمة

في ظل التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف العلاج، شكّل محور الدعم الصحي ركيزة أساسية في البرنامج. تخفيضات على العمليات الجراحية، دعم للفحوصات المختبرية، وتسهيلات في أسعار الأدوية عبر جهات مشاركة — خطوات تهدف إلى إزالة العوائق أمام المرضى وتمكينهم من الوصول إلى العلاج دون أن تتحول الكلفة إلى عبءٍ يهدد استقرار الأسرة.

فالرسالة هنا واضحة: الحق في العلاج لا يجب أن يكون امتيازًا، بل حقًا متاحًا للجميع.

الخبز… حين يصل بدفءٍ واحترام

لم يقتصر البرنامج على البعد الصحي، بل امتد إلى توفير وجبات الإفطار، سواء في مطاعم معروفة أو عبر سيارات جوالة توصل الطعام إلى أبواب المنازل. إنها مبادرة لا تقدم الغذاء فحسب، بل تحرص على صون خصوصية العائلات المتعففة، مؤكدة أن العطاء الحقيقي يقاس بقدرته على حفظ الكرامة.

السلة الغذائية… تضامن يتجدد

آلاف السلال الغذائية التي توزَّع سنويًا تمثل استجابة مباشرة لاحتياجات العوائل محدودة الدخل. لكنها، في جوهرها، تعبير عن روح التكافل المتجذرة في المجتمع الكوردستاني، حيث يتحول التضامن إلى قيمة عملية تُترجم في أوقات الحاجة.

الأرقام… أثرٌ يتجاوز الإحصاء

في العام الماضي، استفاد أكثر من 14 ألف شخص من خدمات البرنامج، وبلغت قيمة التخفيضات الطبية أكثر من مليار و200 مليون دينار، إضافة إلى توزيع 12 ألف سلة غذائية وترميم عدد من المدارس.

غير أن الأثر الحقيقي لا يُختزل في الأرقام وحدها، بل يظهر في حياة الأفراد الذين لمسوا هذا الدعم مباشرة؛ في مريضٍ استعاد عافيته، أو عائلةٍ وجدت سندًا في وقت الشدة، أو طلابٍ عادوا إلى صفوفٍ جرى تأهيلها.

شراكة من أجل المجتمع

خلال ثلاث سنوات متتالية، رسّخ البرنامج نموذجًا للعمل المجتمعي المنظم، القائم على الشراكة بين المؤسسات والقطاع الخاص، بما يعزز فاعلية المبادرات ويضمن استدامتها. إنه مثال على أن التخطيط المؤسسي لا يتعارض مع الروح الإنسانية، بل يعززها ويمنحها أثرًا أوسع.

ربيع يتجدد

“بهارا خێر و دلۆڤانیێ” ليس مجرد عنوان لحملة موسمية، بل فكرة تتكرر كل عام لتؤكد أن المجتمع القوي هو الذي يضع الإنسان في مركز اهتمامه. في كوردستان، حيث تختلط التحديات بالإرادة، يصبح العطاء ثقافة راسخة، ويغدو التضامن قوةً تدفع المجتمع نحو مستقبلٍ أكثر تماسكًا وعدلاً.

هكذا يتحول الربيع من فصلٍ في التقويم… إلى موقفٍ دائم من الحياة

قد يعجبك ايضا