سالي علي
في الصراعات المعقّدة، لا يكون الغياب دائمًا علامة ضعف، بل قد يكون إشارة مبكرة إلى إعادة توزيع الأدوار داخل منظومة السلطة. ومن يراقب المشهد السوري خلال الأسابيع الأخيرة يلحظ تراجع الظهور العلني لـ أحمد الشرع، في توقيت تتكثف فيه اللقاءات الدولية والنقاشات المتعلقة بمستقبل سوريا، بالتوازي مع حراك سياسي وأمني متزايد في الإقليم، وعلى هامش فعاليات مثل مؤتمر ميونخ للأمن.
هذا التزامن لا يبدو تفصيلاً عابرًا، بل يفتح الباب أمام فرضية سياسية أكثر عمقًا: أن مرحلة إعادة هندسة التوازنات داخل الملف السوري قد بدأت بالفعل، حتى وإن لم تظهر نتائجها النهائية بعد.
أولًا: الغياب كأداة سياسية لا كصدفة
في البيئات السياسية غير المستقرة، يصبح الظهور الدولي أحد مؤشرات الشرعية. وعندما تغيب شخصية يُفترض أنها تمثل مركز ثقل ميداني أو سياسي عن منصات دولية أساسية، بينما يبرز حضور فاعلين آخرين، فإن الرسالة الضمنية تكون واضحة: موازين الاعتراف ليست ثابتة، بل قيد المراجعة.
الغياب هنا لا يعني بالضرورة نهاية الدور، لكنه قد يشير إلى أحد مسارين:
• تقليص النفوذ تمهيدًا لإعادة ترتيب المشهد
• أو إعادة تموضع بانتظار تسوية أوسع
وفي كلا الاحتمالين، نحن أمام مرحلة انتقال لا مرحلة استقرار.
ثانيًا: صعود الفاعلين البدلاء والتحول نحو القابلية الدولية
بالتوازي مع هذا التراجع، يبرز حضور شخصيات وقوى أخرى، خصوصًا الفاعلين الكورد، وعلى رأسهم مظلوم عبدي، والكيانات المرتبطة بـ قوات سوريا الديمقراطية.
هذا الحضور لا يعكس فقط وزنًا عسكريًا، بل انتقالًا تدريجيًا نحو الاعتراف السياسي. فالمعادلة الدولية لم تعد قائمة على سؤال: من يسيطر عسكريًا؟ بل أصبحت: من يمكن الاعتماد عليه لضمان الاستقرار وإدارة المرحلة الانتقالية بأقل تكلفة ممكنة. وهنا تتغير قواعد اللعبة.
ثالثًا: العامل الدولي… إعادة ضبط لا حسم
لا يمكن فهم التحولات الجارية دون قراءة الحسابات الدولية الأوسع. فالقوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تبحث حاليًا عن حسم شامل في سوريا بقدر ما تسعى إلى إدارة التوازنات ومنع الانهيار الكامل، مع تقليل الكلفة العسكرية والسياسية.
في المقابل، تراقب تركيا أي تحوّل في موازين القوى بحساسية عالية، خصوصًا ما يتعلق بصعود الفاعلين الكورد، بينما تحافظ روسيا على موقعها كلاعب ضامن لتوازن الحد الأدنى، رغم انشغالاتها الدولية الأخرى.
هذا التشابك يعني أن أي إعادة ترتيب داخل سوريا لن تكون نتيجة قرار طرف واحد، بل نتاج تقاطع مصالح دولية وإقليمية متعددة.
رابعًا: منطق (الشخص الوظيفي) في الصراعات
التجارب السياسية في المنطقة تُظهر أن بعض الشخصيات تصل إلى مواقع النفوذ لأداء وظيفة مرحلية، لا لتأسيس نظام طويل الأمد. وعندما تتغير الظروف الدولية أو تنتهي الحاجة السياسية للدور، يبدأ البحث عن بدائل أكثر قابلية للتسويق والقبول. هذا لا يعني بالضرورة سقوطًا وشيكًا، لكنه يعني أن الاستمرارية لم تعد مضمونة كما كانت.
خامسًا: التحول الأهم… تعدد مراكز القوة في سوريا
سوريا اليوم لم تعد ساحة ذات مركز سلطة واحد، بل شبكة نفوذ متداخلة تضم:
•قوى دولية
•قوى إقليمية
•فاعلين محليين
•والإدارة الكوردية في الشمال
وللمرة الأولى منذ عقود، أصبح العامل الكوردي جزءًا ثابتًا من المعادلة السياسية السورية، لا ملفًا هامشيًا يمكن تجاوزه أو تأجيله.
هل بدأت مرحلة التغيير فعلًا؟
الواقعية السياسية تشير إلى أن التغيير في سوريا لن يكون مفاجئًا، بل تدريجيًا وتراكميًا. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن مرحلة إعادة الترتيب قد انطلقت بالفعل، حتى وإن لم تتبلور نتائجها بعد. فالأنظمة لا تتغير فقط عندما تنهار، بل أحيانًا عندما تُعاد صياغتها.
القراءة الاستراتيجية
المشهد السوري يدخل طورًا جديدًا عنوانه: إعادة توزيع الأدوار قبل إعادة بناء الدولة. ولذلك لم يعد السؤال الأهم: من يحكم اليوم؟ بل: من سيكون مقبولًا غدًا؟! والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الحاضر والمستقبل.