بين الاندماج والاعتراف… هل يقترب الحسم في المعادلة الكوردية داخل سوريا؟

سالي علي

في السياسة، بعض التصريحات لا تُفهم من كلماتها، بل من توقيتها. وما صدر عن مظلوم عبدي مؤخرًا لا يبدو مجرد موقف إعلامي، بل إشارة إلى حراك أعمق يتشكل في خلفية المشهد السوري، حيث تتقاطع حسابات الأمن الإقليمي مع محاولات إعادة بناء الدولة بعد سنوات الحرب.

اللحظة الحالية مختلفة عن كل ما سبق. فالمسألة لم تعد مرتبطة بمواجهة عسكرية أو إدارة محلية تبحث عن تثبيت وجودها، بل بمرحلة إعادة صياغة البنية السياسية والعسكرية في سوريا نفسها. وفي مثل هذه المراحل، تُعاد تعريف الأدوار، وتُفتح مساحات التفاوض التي لم تكن ممكنة سابقًا.

لماذا الآن؟

هناك ثلاثة مسارات تتحرك في وقت واحد:
•توجه دولي لإنهاء حالة تعدد الجيوش داخل الدولة السورية.
•ضغوط لإيجاد صيغة استقرار شرق الفرات تمنع الانفجار الأمني.
•محاولات لتقليل احتمالات الصدام بين الكورد وتركيا عبر ترتيبات سياسية جديدة.

عندما يظهر تصريح سياسي في نقطة تقاطع هذه العوامل، يصبح من الصعب اعتباره صدفة أو موقفًا منفصلًا.

ما الذي يمكن أن يتشكل؟

السيناريو الأكثر واقعية لا يدور حول تفكيك القوة الكوردية، بل حول إعادة تعريف موقعها. أي الانتقال من كيان عسكري مستقل نسبيًا إلى جزء من منظومة دولة معاد تشكيلها، مقابل تثبيت وضع سياسي وإداري خاص بالمناطق الكوردية في روج آفا.

هذا النوع من الترتيبات ليس جديدًا في التجارب الدولية؛ بل غالبًا ما يكون الطريق الوحيد لتحويل النفوذ الميداني إلى شرعية قانونية طويلة الأمد.

لكن احتمالًا آخر قائم أيضًا: أن يكون الخطاب المرن رسالة وقائية موجهة للخارج، مفادها أن المشروع الكوردي ليس عقبة أمام التسوية، وبالتالي لا مبرر لاستهدافه أو الضغط عليه عسكريًا.

المؤشرات التي لا يمكن تجاهلها

خلال الفترة الأخيرة، برزت معطيات لافتة:
•تزايد اللقاءات الدولية مع القيادات الكوردية.
•حضور سياسي وأمني في منصات دولية كبرى.
•عودة الحديث عن تسوية شاملة للأزمة السورية.
•تحولات تدريجية في لهجة بعض القوى تجاه دمشق.

هذه العناصر مجتمعة تعني أن الجمود الذي طبع الملف السوري لسنوات بدأ يتصدع، وأن مرحلة الترتيبات قد تقترب — ومعها ضرورة حسم موقع الكورد في المعادلة المقبلة.

هل يحمل المسار مخاطر؟

بالتأكيد. فالدخول في ترتيبات دولة دون ضمانات واضحة قد يهدد المكاسب التي تحققت خلال سنوات الحرب. لكن البقاء خارج أي صيغة سياسية نهائية يحمل خطرًا أكبر: التحول إلى كيان مؤقت مرتبط بظروف عسكرية متغيرة.

التجارب التاريخية تشير إلى حقيقة قاسية: الكيانات التي بقيت خارج الأطر القانونية للدول انتهت أو تآكلت، بينما تلك التي تفاوضت من موقع قوة حصلت على أشكال مختلفة من الحكم الذاتي والاستقرار.

لحظة إعادة تعريف لا لحظة حسم

ما يمر به الكورد اليوم ليس مرحلة انتصار ولا تراجع، بل مرحلة إعادة تموضع استراتيجي. وللمرة الأولى منذ عقود، يمتلك الفاعل الكوردي عناصر تفاوض متكاملة:
•قوة عسكرية منظمة.
•إدارة مدنية قائمة.
•علاقات دولية ممتدة.
•عمق سياسي في إقليم كوردستان.

هذه ليست أوراق ضعف، بل أدوات تفاوض يمكن أن تصنع تحولًا تاريخيًا إذا استُخدمت بذكاء.

هل يمكن أن يظهر كيان كوردي معترف به قريبًا؟

الاحتمال موجود — لكنه لن يأتي بصيغة الدولة المستقلة على الأرجح، بل عبر نموذج لامركزي أو فدرالي ضمن الدولة السورية. وإذا تحقق ذلك، فسيكون أكبر اعتراف سياسي بالوجود الكوردي في تاريخ سوريا الحديث.

المسألة لم تعد تدور حول إمكانية الاعتراف، بل حول كيفية الوصول إليه، وشروطه، وتوقيته.

المعادلة القادمة

السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان الكورد سيدخلون التسوية السورية، بل بأي موقع سيدخلون:
شريكًا مؤسسًا… أم طرفًا يُطلب منه التكيف مع نتائج الآخرين؟

والفرق بين الخيارين قد يحدد شكل القضية الكوردية لعقود مقبلة.

قد يعجبك ايضا