الذاكرة المعطوبة والوعي المؤجل

سمير السوره ميري

الذاكرة مخزن للأحداث الصورية والسمعية والنقلية تُخزَّن عبر مراحل حياة الإنسان، مؤثرةً بما يخطوه الفرد أو العقل الجمعي المتأثر بذلك الخزين، هنا يكمن أثر الذاكرة المعطوبة بما تحمله من إرجازات متناقضة منقولة، وهو ما يُصيب الوعي بحالة من اللاوعي المزمن، نتيجة التذكّر القسري لما لا ينبغي أن يناقش، فيُعطّل الوعي ويحلّ الجهل.
الذاكرة المعطوبة ليست نسيانا ولا تلفا، بل عجزٌ إدراكي وخللٌ في قناعة العقل على التحرر من تلك التكلسات التي أحاطت به، فعطّبت ميكانيكية العقل، وحينما تتحول الذاكرة إلى مستودع للأساطير الخيالية، نتيجة خزنها من قبل الناقل وهوى سلطته، يصبح الإيمان بها إشكالية ضبابية تحجب العقول عن آلياتها التحليلية، وتربك قدرتها على معرفة الحقيقة وتمييزها من خيال الناقل.
إنّ العيش في الماضي يعني عجز الإدراك عن فهم واقعه الراهن، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة، ونلمس أثر ذلك بوضوح في المجتمعات المتخلفة ذهنيا، حيث يتحول الوعي المجتمعي إلى مجرد طقسٍ شعائري يؤجل الوعي الحقيقي، لتعاد إنتاج الأخطاء نفسها تحت وهم الحفاظ على الهوية.
على مر التاريخ نجد أن خزّان الذاكرة في تلك المجتمعات كان بيد السلطات الحاكمة الغاصبة، على إختلاف ألوانها، إذ يعمد كل منهما إلى ملء الذاكرة بمفردات تمكّنها عبر أساليبها من تشويه الوعي، لأنها تدرك خطورة الذاكرة السليمة وأثرها في التفكير، فحضور الوعي الناقد يُفرغ الذاكرة من السرديات المنقولة وقداساتها المصطنعة.
تمكن آليات تنشيط الذاكرة المجتمعية في تفكيك السرديات الأُحادية، ودراسة التاريخ بوصفه مخزونا ناهضا لمستقبل المجتمع، بعيدا عن تناقضاته المشوشة، وربط الذاكرة بالعدالة لكسر جمود التكلّس الأيديولوجي، وتنشيط سؤال جوهر الوعي: لماذا ؟.
لتحيد الذاكرة من اِستغلال المتسلّط، وإدارة وعي المجتمع بشرعية العقل في السؤال، وتحول الذاكرة من طقسها العاطفي إلى فعل فكري يُستدعى لتصحيح المسار ونهوض المجتمع.
هنا يتحرر العقل من السرديات الممنهجة المخزونة، فالماضي ليس للنسيان بل للحاضر، يصحح به المسار بعيدا عن كل الإحتكارات الفكرية.

قد يعجبك ايضا