اتحاد الطلبة والشبيبة الديمقراطية الكوردستاني… إرث نضالي ومسؤولية وطنية متجددة

د. ضياء عبد الخالق حسين المندلاوي

في 18 شباط 1953، شهدت الساحة الطلابية والشبابية في كوردستان نقطة تحوّل تاريخية بارزة، تمثّلت في تأسيس اتحاد الطلبة والشبيبة الديمقراطية الكوردستاني، الذي غدا إطاراً تنظيمياً جامعاً يعكس الطموحات الوطنية والقومية للشباب الكوردي، ويجسّد حقوقه ومطالبه المشروعة، ويعزّز دوره في صرح النضال التحرري والسياسي. وقد تحقق هذا الإنجاز بتوجيه من الأب الروحي للحركة التحررية الكوردية، الملا مصطفى البارزاني، ليغدو يوم التأسيس محطة وطنية مضيئة ومظلّة جامعة للدفاع عن الحقوق القومية للشباب الكوردي.

لقد بدأت إرهاصات الحركة الطلابية والشبابية الكوردستانية بعد عام 1930، حيث اقتصر نشاطها في البداية على الفعاليات الثقافية والفنية، قبل أن تؤدي التحولات الكبرى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية إلى تصاعد المطالب الشعبية بالحريات العامة وإطلاق الطاقات الوطنية بعد عقود من التهميش السياسي والاجتماعي. ومع توسّع التعليم في المدن والأرياف، نما الشعور القومي بين الشباب، مستفيدين من التجارب العالمية للحركات الطلابية والشبابية وتصاعد حركات التحرر في العالم، ما دفعهم إلى الانخراط الفاعل في مسيرة النضال المشروع دفاعاً عن حقوق الشعب الكوردي.

وفي ظل تلك الظروف المعقّدة، تأسس الاتحاد بدعم وتوجيه من البارزاني الخالد، ليكون صوتاً نضالياً للشباب الكوردي، مدافعاً عن حقوقهم وطموحاتهم الوطنية والقومية في مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد أسهم في تجميع الطاقات الطلابية والشبابية للدفاع عن الحقوق المهنية والقومية على أسس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لا سيما للطلبة الوافدين من محافظات كوردستان الذين واجهوا ظروفاً قاسية وعراقيل متعددة.

ومنذ تأسيسه، لعب الاتحاد دوراً محورياً في تعزيز الوعي القومي وتصعيد روح النضال السياسي والاجتماعي، متصدّياً للسياسات القمعية التي انتهجتها السلطات المتعاقبة ضد تطلعات الشعب الكوردي. وقد نال مكانة مرموقة على المستويين المحلي والدولي بفضل كفاءته التنظيمية وحضوره الجماهيري، ليصبح منبراً مؤثراً في الأوساط الطلابية والشبابية داخل العراق وخارجه.

ومع استيلاء حزب البعث المنحل على السلطة، واجه الاتحاد موجة عنيفة من القمع والتضييق، شملت إغلاق مكاتبه وملاحقة كوادره، ما دفع العديد من أعضائه إلى الالتحاق بصفوف قوات البيشمركة والانخراط في مقاومة الأنظمة الدكتاتورية، مقدمين تضحيات جسيمة دفاعاً عن الحقوق المشروعة للشعب الكوردي. لذا وصفهم البارزاني الخالد بأنهم “رأس الرمح في كل الثورات والانتفاضات”. لما قاموا به

وهنا نشير إلى دور الرئيس مسعود بارزاني في دعم الاتحاد، ولا سيما في مرحلة ما بعد انتفاضة عام 1991 في العراق، حيث سخّر جميع الطاقات المتاحة لدعم الحركة الطلابية والشبابية الكوردستانية، إدراكاً منه لدورها الاستراتيجي في بناء الدولة وتعزيز التجربة الديمقراطية في الإقليم. فقد شكّل دعمه المستمر عاملاً أساسياً في تفعيل دور الاتحاد في ميادين الثقافة والتعليم والعمل الوطني، وتوجيه طاقات الشباب نحو البناء والتنمية مع الحفاظ على الثوابت القومية والوطنية.

وخلال السنوات اللاحقة، نجح الاتحاد في توسيع نفوذه محلياً وإقليمياً ودولياً، فأصبح اليوم من أبرز المنظمات الطلابية والشبابية في المنطقة، وله صوت مسموع في المنتديات الدولية، بما يعزز مكانة كوردستان ويكرّس دورها كحاضنة للوعي القومي والنضال الديمقراطي.

إن متابعة مسيرة الاتحاد تكشف حجم دوره الاستراتيجي في خدمة الطلبة والشباب الكوردي، من خلال ترسيخ ثقافة التعليم بوصفها واجباً وطنياً، ودعم الطاقات الشبابية إلى جانب الالتزام بخيار النضال المشروع في مواجهة القوى القمعية والدكتاتورية. ورغم محاولات الحد من نشاطه، أثبت الاتحاد أنه مؤسسة وطنية راسخة تمثل إرادة الشباب الكوردي وتعكس جماهيرية ومشروعية أهدافه القومية والوطنية على المستويات المحلي والإقليمي والدولي.

وفي الذكرى الثالثة والسبعين لتأسيسه، نستحضر بكل إجلال تضحيات شهداء الاتحاد والحركة التحررية الكوردية الذين قدّموا الغالي والنفيس في سبيل الحرية والكرامة، مؤكدين أن مسيرته ستبقى متواصلة لتحقيق الأهداف التي ناضلوا من أجلها، وأن إرادة شعب كوردستان ستظل صلبة أمام كل محاولات القمع والإقصاء، تحت راية الرئيس مسعود بارزاني، زعيم الأمة الكوردية.

ألف تحية للحركة الطلابية والشبابية الكوردستانية في ذكرى تأسيس اتحادها المناضل، مع أطيب التمنيات بمزيد من التقدم والازدهار، وبثقة أكبر في صمودها المؤسسي والنضالي.

قد يعجبك ايضا