العشائر والإمارات الكوردية وسياسة داود باشا معها في دراسة أكاديمية

اعداد: عدنان رحمن

  من منشورات دار چـيا للطباعة والنشر- بغداد- العراق، التي كان صاحبها المرحوم د. شعبان المزيري في العام 2011 بالطبعة الثانية لدراسة اكاديمية بعنوان ( داود باشا واصلاحاته في العراق- 1840- 1872 دراسة تاريخية) للــ د. عدنان محمد قاسم ورد فيها عن العشائر والامارات الكوردية ما يلي:

– ” ج سياسة داود باشا مع الامارات والعشائر الكوردية: يتصدر الكورد الى اصل قديم كان يتكلم الاندو اوربية وقد جاؤوا الى کوردستان من اسيا عبر فارس سكنوا المناطق الجبلية (1) وقد قسمالعراق الى عصبيات متعددة اعترف السلطان العثماني بها اشهر تلك العصبيات الأمارة البهدينانية. (2) وقد بدأ حكم الإمارة البهدينانية عام ٧٤٠ هـ ۱۳۲۹م (3) وابقاها السلطان سليم على امارتها سنة ١٥١٤ ومركزها العمادية، التي تقع في اقصى شمال العراق وهي اقرب الى الموصل منها الى بغداد، وكانت منذ البداية تابعة لبغداد. (4) اما الامارة الصورانية (5) في اربيل فقد ضعفت في عهد سليمان القانوني بسبب توليته عليها حاكما إيزيديا ولم تنتعش الا على يد محمدباشا الراوندوزي ( ميركور) او ( كور باشا) في عهد داود باشا في وقت كانت فيه الامارة البابانية تتدهور بسر عة. (6) ومن ناحية اخرى كانت بلاد الكورد مهيأة كل التهيؤ لقيام اسر حاكمة متعددة متجاورة متنافرة، ومن تلك الأسر التي دونت احداثها في التاريخ الاسرة البابانية التي اسستها شخصية كوردية، وهو الفقيه احمد الذي ينسب اليه تاسيس وجاق بابان وقد تفوقت تلك الاسرة على جيرانها ولمع نجمها حين منح السلطات سنة ۱۰۸۰ هـ ، ١٧٦٠ سنجق قره چولان السليمانية فيما بعد الى احد احفاد فقيه احمد. (7) واخذت الاسرة البابانية- بعد تأمين الجانب الفارسي تتوسع على حساب الامارات المجاورة لها مثل الصورانية والبهدينانية حتى اصبحت تسيطر على راوندوز وكفري وحرير وقزلجة واربيل، وامتدنفوذها الى كركوك وزنكَباد والدربند الغربي اذ كانت الحدود بين باشوية بغداد وسنجق السليمانية مبنية بخط من الحجارة، وامتدتحدودها حتى ديالى (8)، مما دفع بداود باشا ان يستعين بالقوة في تحجيمها، وقد ادى القنصل البريطاني ( ريج) دوره الكبير في تحريض البابانيين في الانشقاق على داود باشا. (9) ادت تلك العشائر الكوردية ادوارا هامة في تاريخ كوردستان العراق ولذلك لما جاء السطان سليم الى كوردستان ابقى تلك العصبيات الحاكمة على حالها، ولكن في اطار التبعية للسلطان العثماني (10) وكان الامراء الكورد على وجه العموم يقدرون موقع بلادهم الجبلية الصعبة الممرات بين بلاد السلطان وبلاد الشاه، ولذلك كانوا يستعينونبالفرس اذا هددهم العثمانيون ويستعينون بالعثمانيين اذا ما هددهم الفرس ولا يهمهم فى ذلك كون الدولة في حرب ام في سلم مع فارس (11) ولذلك كان شمال العراق ميدان صراع لا يهدأ، وكان عبئا ثقيلا على كاهل بغداد وكانت فارس تستخدم العصبية الكوردية التي كانت تحت حكمها فياثارة الفوضى هنالك وكانت سياسة داود باشا ازاءامارات الكورد المتنافرة شبيهة الى حد كبير بسياسة الباب العالي ازاء باشوياته في ضرب باشوية باخرى ولذلك نجد داود باشا يحض علىسبيل المثال ( محمد باشا الراوندوزي) على مقاتلة محمود باشا باباني، بيد أن محمود استطاع بمساعدة الجيش الفارسي ارجاع راوندوز القهقري وكان سببا في توتر العلاقات بين فارس والدولةالعلية العثمانية، فارسلت الدولة العثمانية اسعد افندي للتحقيق في تلك المشكلة واراد اسعد افندي ان يستجوب محمودا ولكنه ابى ان ياتي الىبغداد، ويفسر صاحب تاريخ ( السليمانية) عدم حضوره بانه خشي من غدر داود باشا به على حسب المثل القائل: ( اتق شر من احسنت اليه).(12) ولعل ذلك من التجني على داود باشا (13) لان هدف داود باشا توحيد العراق من شماله الى جنوبه وان تكليفه محمد باشا الراوندوزي علىمقاتلة محمود باشا باباني لم يكن الا لهدف تطهير المنطقة الكوردية من النفوذ الفارسي، وفرض سلطة الدولة العثمانية الموحدة عليها. (14) وكانت سياسة داود باشا ازاء الامارات الكوردية وكذلك الأسر الحاكمة في المناطق العربية كالموصل مثل اسرة آل الجليلي، وغيرها من الأسر الحاكمة الاخرى تلتقي في نقطة مشتركة هي اخضاعها الى سلطة ولاية بغداد المركزية. (15) الا ان العائق الوحيد امام داود باشا كان في عدم تحقيقه الهدفوبالاخص في شمال العراق ذلك هو التدخل الفارسي، (16) فعلى الرغم من ان العشائر والامارات الكوردية السالفة سُنيّة المذهب فقد دأبت على الاستنجاد بفارس كلما ضغط عليها ولاة بغداد حتى ما اذا تحقق للامير الكوردي امله في التخلص من الضغط العثماني انقلب على حلفائهالفرس ليطردهم عن بلاده. (17). واضافة الى ذلك ان تلك الازمات سمحت لبريطانيا بالتدخل في امور کوردستان لحماية مصالحها في فارس وفي الدولة العثمانية ودرءا للخطر الروسي ولكسب الكورد الى جانب الحكومة البريطانية ولذلك اخذت المشكلة الكوردية نصيبا كبيرا من سياسة داود باشا الذي جاهد ما في وسعه العمل من اجل حل القضية الكوردية في اطار العراق الواحد الموحدومركزه بغداد عاصمة الولاية“.

أما عن سياسة داود باشا مع معتنقي الديانات المسيحية واليهودية في العراق فقد ورد في جزء من الدراسة:

– ” اما سياسته الداخلية ازاء الأديان الأخرى كالمسيحية واليهودية فقد كان داود باشا على جانب كبير من التسامح معها ومراعاة عقائدرعاياها وحرصه على عدم المساس بهم إذ لم يرد في الكتب والبحوث والدراسات التي اشتركت في الكتابة عن سيرة داود باشا واعماله وآثاره بانه اتخذ مواقف معادية ازاءها، بل كان حريصا كل الحرص على احترام قدسية عقائدهم وشعائرهم، وقد اتخذ مواقفا طيبة معهم، وسمح لهم بمزاولة التجارة والاعمال الحرة والمشاركة في الحياةالاجتماعية والادارية والثقافية دون تمييز بينهم وبين باقي المواطنين من ابناء الشعب العراقي.(18) لقد سبق وان نوهنا بان المكونات الأساسية للشعب العراقي هي العشائر العربية والكوردية وسكان المدن من عرب وكورد وترك في بعض الاحيان (19)، والغالبية الكبرى للشعب يتكون من العرب، والى جانب تلك التشكيلات توجد اقليات إيزيدية (20) ويهودية وكانت الطوائف المسيحية في الموصل، وبغداد والبصرة ومدن اخرى كثيرة مثل البروتستانت واليعاقبة والكاثوليك والارمن.(21) ويشكل الأرمن القسم الاكبر من الطوائف المسيحية، وكانت لهم حظوة ورعاية خاصة لدى المقيمية البريطانية في البصرة، وزاد من ارتفاعشأنهم انهم كانوا تحت الحماية البريطانية، وكان القنصل البريطاني (ريج) لا يعطف عليهم وحدهم في الواقع بل كان يعطف على المسيحيين بوجه عام. (22) واضافة الى تلك الطوائف التي اشرنا اليها يوجد اليعاقبة في بلاد الكورد ولهم بطريقهم في ديار بكر ويصفهم ( دوبر Dupre ) بانهم اميّونجهلة وكان المسلمون طول العصور التاريخية المختلفة ولحد حكم داود باشا على علاقات طيبة وعريقة مع المسيحيين بشتى مللهم وطوائفهم في مختلف انحاء العراق. (23) وقد لوحظ ان معاملة المسيحيين في العراق حسنة جدا في العهدالعثماني وفي عهد داود باشا كانت على احسن ما يرام، فلم يُسمع عن اي شكوى او اضطهاد ديني او ضغط مالي، ولكن كانت هناك امور داخلية دعت الوزير داود باشا ورجاله الى التدخل فيما يحدث بينهم من النزاع، وكانت الطوائف المسيحية انذاك في نزاع لا ينقطع، (24) وكان تدخل داود باشا فى تلك الأزمات تهدئة واطفاء نار النزاع واصلاح ذاتالبين واحيانا كان تدخله بسبب النشاط التبشيري الذي كانت تغذيه المقيمية البريطانية وباشراف (ريج)، واحيانا اخرى القنصلية الفرنسية. (25) وقد تعرض المسيحيون احيانا الى نوع من الضغط ولكن ذلك الضغط ليس براجع الى تعصب ديني ازاءه او الانتقاص من وطنيتهم، (26) بل لان الاقلية المسيحية كانت دائما تعمل في نطاق عصبيتها وشعورها بالضعف يقودها الى التماسك والتأزر فيما بينها مع شعور بالخوف والرهبة في المحيط الاسلامي الذي يعيشون فيه، الذي كانت طابعه التسامح معهم وكان ذلك الشعور بالضعف منالعوامل التي جعلتهم يتقربون الى القنصل البريطاني ريج، فكان منهم عيونه ومنهم من تولى مناصب في الموصل. (27)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- دولة صادق: الجغرافية السياسية، ط. ۱، بغداد، ١٩٥٧، ص ٤٠٧- ٤٠٨؛ يحيى الخشاب، الكورد وكوردستان القاهرة، ١٩٥٨، ص ١٠.

2- الامارة البهدينانية: بهدينان من البلدان التي دخلت الاسلام في سنة ۱۸ هـ، ثم اصبحت امارة عباسية حكمها احفاد المستعصم بالله، ودام حكمهم فيها اكثر من خمسة قرون حتى ١٢٥٨ هـ ١٨٤٢. ينظر: محفوظ العباس: العباسيون بعد احتلال بغداد، وزارة الثقافة والاعلام، ۱۹۹۰، ٦۰- ٦١.

3- عباس العزاوي: تاريخ العراق بين احتلالين، ج 4، ص ۲۸۳.

4- المصدر نفسه، ج ٥، ص ۲۱۹ و ۲۷۹.

5- الامارة الصورانية: امارة كوردية نشأت في منطقة مابين الزابين وتوالى منها امراء منهم شاه علي بك، واستمر حكمهم حتى أيام السلطان سليمان القانوني، وقد انقرض حكمهم فيما بعد وبقي منهم الضعفاء بعد ان كانوا ملوك الكورد. يُنظر: الامير شرف الدين البدليسي، الشرفنامة، ص ۲٥٣؛ عباس العزاوي: العشائر العراقية، ج ۲، ص ١٥٧.

6- عباس العزاوي: عشائر العراق، ج ۲، ص ۹۸- ۱۰۰.

7- محمد امين زكي: تاريخ السليمانية، ص ٦٠.

8- المصدر نفسه، ص 62.

9- الجاف، بشدر، البلباس، الديزه ئي، الهماوند، والإيزيدي.. وغيرها، ولور الكبير والصغير وكلهور.ريج: ص ٦٧ ، ٦٨.

10- المنشيء البغدادي، ص ٥٦.

11- محمد امين زكي، ص ۲۲۳.

12- المصدر السابق نفسه، ص 151.

13- عبد العزيز سليمان: نوار داود باشا والي بغداد، ص ۱۳۱.

14- جعفر الخياط، ص ١٦.

15- عباس العزاوي: عشائر العراق، ج ٤، ص ۱۳۹.

16- محمد امين ،زكي، ص ۱۱۷.

17- عبد العزيز سليمان: نوار داود باشا والي بغداد، ص ۱۰۰.

18- المصدر السابق نفسه، ص ١٣٤.

19- عبد العزيز سليمان: نوار داود باشا والي بغداد، ص ۱۳۹.

20- رسول حاوي كركوكلي، ص ١٢٤.

21-Groves, A.N. Journal of a Residenee at Baghdad, London, 1832 P.27.

22-Dupre, Aofl Voyage en pers, Paris, I . P. Ps82- 100.  

23عبد العزيز سليمان: نوار داود باشا والي بغداد، ص ١٣٤.

24المصدر السابق نفسه، ص ۲۹۰- ۲۹۱- ۲۹۲.

25عبد العزيز سليمان، مصدر سابق، ص ١٣٦.

26جيمس ریموند ولستيد، ص 95.

27- عبد العزيز سليمان نوار، مصدر سابق، ص ١٣٦.

قد يعجبك ايضا