حين تدار العقول من خلف الشاشات

عبدالله عمار صباح 

لم يعد التأثير في العقول يحتاج إلى منابر عالية أو خطابات جماهيرية صاخبة؛ يكفي اليوم إشعار صغير يضيء شاشة الهاتف ليبدأ تشكيل رأي، أو زعزعة قناعة، أو زرع شك. نحن لا نعيش فقط عصر المعلومات، بل نعيش عصر هندسة الوعي، حيث تُصاغ الأفكار في الخفاء، وتُمرَّر الرسائل في ثوب عابر يبدو بريئًا. لم تعد المعركة حول من يملك الحقيقة، بل حول من يملك القدرة على توجيه الانتباه. فالعقل البشري، مهما بلغ من وعي، يظل قابلًا للتأثر إذا أُحسن استهدافه. الخوارزميات اليوم لا تعرض لنا ما نبحث عنه فحسب، بل ما يُبقي أعيننا معلّقة بالشاشة أطول وقت ممكن. ومع الوقت، يتحول هذا التعرض المتكرر إلى قناعات راسخة، دون أن نشعر متى وكيف تشكلت. تكمن خطورة الأمر في أن التأثير لم يعد مباشرًا أو صادمًا، بل ناعمًا ومتدرجًا. فكرة صغيرة تتكرر، تعليق عابر يُعاد نشره، مقطع مقتطع من سياقه… ثم تتشكل صورة ذهنية يصعب زعزعتها. وهكذا تُبنى مواقف كاملة على أنصاف حقائق، ويُعاد تعريف الواقع وفق ما يُراد له أن يكون، لا كما هو فعلًا. ولا يقف الأثر عند حدود الفرد، بل يمتد إلى النسيج الاجتماعي بأكمله. حين تتباعد التصورات، وتتشكل فقاعات فكرية مغلقة، يصبح الحوار أكثر صعوبة، ويحل الاتهام محل الفهم، والانفعال محل التفكير. تتآكل الثقة تدريجيًا، ليس فقط في المؤسسات، بل في بعضنا البعض. إن أخطر ما في هذا المشهد أننا نظن أنفسنا أحرارًا تمامًا في اختياراتنا، بينما تتسلل التأثيرات إلى قراراتنا بهدوء. لذلك لم يعد الوعي ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة يومية. أن نتوقف قبل أن نُصدّق، أن نسأل قبل أن نُعيد النشر، أن نبحث قبل أن نحكم… تلك ليست مجرد نصائح أخلاقية، بل أدوات لحماية وعينا من أن يُدار دون علمنا. في زمن السرعة، يصبح التمهل فعل مقاومة. وفي زمن الضجيج، يصبح التفكير الهادئ شكلًا من أشكال القوة. أما الحفاظ على صفاء الوعي، فهو مسؤولية لا يمكن تفويضها لأحد.

قد يعجبك ايضا