الكورد بين فشل النماذج غير القومية وصعود الوعي القومي

شــــريف علي

يتردّد اليوم خطاب يزعم أن الحلم الكوردي في سوريا قد انتهى، وأن الكورد باتوا أمام خيار العودة إلى هيمنة المركز العربي بصيغته التقليدية. غير أن هذا الطرح، رغم زخمه الإعلامي، يتجاهل التحولات البنيوية التي شهدتها القضية الكوردية خلال العقد الأخير، ولا سيما في ظل الدور المحوري للرئيس مسعود بارزاني في الحفاظ على وحدة البوصلة القومية في أجزاء كوردستان الأربعة. فالأحلام الكبرى لا تنطفئ بتغيّر أشكالها، بل تتطور نحو صيغ أكثر نضجاً عندما تتوفر قيادة قادرة على قراءة اللحظة التاريخية.

وإذا كانت المشاريع التي رُفعت تحت عناوين مثل (روج آفا) و(شرق الفرات) و(أخوة الشعوب) قد وصلت إلى نهايتها، فإن هذا الانتهاء لا يعكس سقوط الحلم القومي، بل يكشف محدودية تلك الصيغ في التعبير عن جوهر التطلعات الكوردية. فالواقع الذي نشأ على الأرض لم يُهدم، بل جرى إنقاذه من مسار كان يبتعد عن روحه القومية، ليعاد توجيهه نحو مفهوم (غرب كوردستان) بوصفه امتداداً طبيعياً للمشروع القومي، لا تجربة معزولة أو مؤقتة. وهذه سنة الحركات التحررية التي تمر بمراحل مراجعة وإعادة تشكيل قبل أن تستقر على مسارها الأكثر واقعية.

لقد أثبتت فكرة (الأمة الديمقراطية) ورديفاتها من النماذج العابرة للقومية عجزها عن احتواء التطلعات القومية العميقة للشعب الكوردي. فهذه الطروحات لم تنجح في حماية الهوية، بل ساهمت في إضعافها وإرباك مشروعها السياسي، وكشفت عن تناقضات بنيوية مع مسار تطور المجتمعات الحديثة التي تقوم على الاعتراف بالهويات القومية وتنظيمها ضمن أطر سياسية واضحة. ومع مرور الوقت، أدركت قطاعات واسعة من الرأي العام الكوردي أن تلك النماذج كانت أقرب إلى محاولة تفكيك البنية القومية منها إلى تطويرها.

ومع تعقّد المشهد الإقليمي وتزايد التحديات الوجودية، برزت الحاجة الموضوعية لا العاطفية إلى إعادة الاعتبار لوحدة الشعب الكوردي كإطار قادر على صون الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية. وهذا لا يعني إقصاء المكونات الأخرى، بل إعادة صياغة التعايش ضمن إطار أكثر واقعية يقوم على (أخوة الكورد أولاً)، ثم بناء شراكة حقيقية مع باقي الشعوب على أساس الاعتراف المتبادل والاحترام المتوازن للخصوصيات القومية.

وفي ظل الاتجاه الدولي والإقليمي المتزايد نحو اللامركزية، يبدو استحضار نموذج الدولة المركزية القديمة أمراً غير قابل للحياة. فالمنطقة تتجه نحو صيغ حكم مرنة، فيدرالية أو شبه فيدرالية، تضمن شراكة فعلية بين المكونات المختلفة داخل الدولة الواحدة. وهذه النماذج لا تهدد وحدة الدول، بل تشكل ضمانة لاستقرارها ومنع تفككها.

وبناءً على هذه التحولات، فإن ما يبدو للبعض تراجعاً في المسار التحرري الكوردي ليس سوى إعادة تموضع تفرضها الظروف الموضوعية. فالقضية الكوردية لم تنكفئ يوماً عن جوهرها، بل تعيد ترتيب أولوياتها بما يجعل الهدف القومي أكثر وضوحاً وصلابة. ومع كل انتقال من مرحلة إلى أخرى، تتقدم التجربة الكوردية خطوة إضافية نحو ترسيخ حقوقها وتعزيز حضورها، مستندة إلى تراكم نضال طويل ورؤية أكثر نضجاً للواقع.

وهكذا، فإن نهاية مرحلة سياسية منحرفة عن المسار القومي لا تعني انطفاء الحلم الكوردي في غرب كوردستان، بل تمثل بداية مسار أكثر رسوخاً وارتباطاً بالهوية القومية وضرورات المرحلة المقبلة.

قد يعجبك ايضا