د.فيصل صادق توفيق
لم يعد الخلاف داخل البيت الكوردستاني مجرد تباين في وجهات النظر السياسية، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى عامل إضعاف مباشر للموقف الكوردي، سواء داخل الإقليم أو في بغداد أو حتى على المستوى الدولي. والتجربة السياسية القريبة تؤكد أن انقسام الكورد في مواجهة القوى العراقية الأخرى لا يؤدي إلا إلى تآكل المكاسب التي تحققت عبر عقود من النضال، ويمنح الخصوم فرصة دائمة لإعادة ترتيب موازين القوة على حساب كوردستان.
لقد أثبتت الوقائع أن وحدة الموقف الكوردي لم تكن يوما ترفا سياسيا، بل شرطا أساسيا لحماية الحقوق الدستورية وانتزاعها. هذه الحقيقة أدركها مبكرا القادة التاريخيون، وفي مقدمتهم جلال طالباني، الذي كان يرى أن الخلافات الحزبية يجب أن تتوقف عند حدود المصلحة القومية العليا، وأن العلاقة مع الطرف الأقوى داخل الساحة الكوردستانية ليست تنافسا صفريا، بل شراكة توازن وتكامل ( وبالاخص فيما بعد ٢٠٠٣ وختم حياته بهذا التوجه). من هنا نشأت تلك المعادلة غير المعلنة التي حكمت التجربة الكوردية لسنوات: طالباني كان بحاجة إلى بارزاني كما ان الرئيس بارزاني لم يتردد في دعم الطالباني، ليس من باب الضعف من الاثنين، بل من باب إدراك طبيعة المرحلة ومتطلبات الصراع السياسي في بغداد والمنطقة.
وفيما مضى من سنوات فان غياب طالباني خلق فراغا سياسيا واضحا، لا على مستوى الرمزية فحسب، بل على مستوى إدارة التوازنات الدقيقة داخل الاتحاد الوطني الكوردستاني نفسه وحتى في التعامل مع بغداد والملفات العالقة بين حكومة الاقليم والحكومة الفيدرالية . ومنذ رحيل طالباني الى الحين، بدا أن الاتحاد الوطني لم يحسم خياره بين أن يكون شريكا مسؤولا في الحكم، أو قوة معارضة دائمة حتى وهو جزء من السلطة. هذا التذبذب انعكس بوضوح في سلوكه الانتخابي وخطابه السياسي، وفي القطيعة المتكررة عن تحمل المسؤولية الحكومية، مقابل تصعيد خطاب المناوأة، ليس فقط تجاه خصومه، بل أحيانا تجاه بقية القوى الكوردستانية.
وتجلى هذا المسار بشكل أوضح بعد انتخابات عام 2024، التي لم تسفر حتى اليوم عن تشكيل حكومة في الإقليم، نتيجة حالة من العناد السياسي وتغليب الحسابات الحزبية على منطق الشراكة. هذا التعطيل لم يضر بصورة الإقليم داخليا فقط، بل انعكس مباشرة على موقع كوردستان في بغداد، في وقت يشهد فيه العراق نفسه استحقاقات مصيرية تتعلق ببنية النظام السياسي، وتقاسم السلطة، وموقع المكونات فيه. فإقليم منقسم وحكومة معطّلة لا يمكن أن يكون طرفا قويا في معادلة عراقية مضطربة.
في هذا السياق، تبرز حقيقة لا يمكن تجاوزها: وهي ان الاتحاد الوطني اليوم بحاجة إلى الرئيس مسعود البارزاني، تماما كما كان بحاجة إليه في مراحل سابقة. ليس لأن الرئيس البارزاني يمثل حزبا بعينه، بل لأنه يشكل ثقلا سياسيا وطنيا كوردستانيا، يمتد تأثيره إلى بغداد والعواصم الإقليمية والدولية. فالرئيس بارزاني يمتلك من الشرعية التاريخية، والخبرة التفاوضية، والعلاقات الدولية، ما يجعله عنوانا لا يمكن القفز عليه عند الحديث عن مستقبل الإقليم أو عن موقع الكورد في العراق. باعتباره المسؤول والمدافع عن ثوابت وحقوق الاقليم الدستورية وحقوق الشعب الكوردي القومية .
إن القول إن الاتحاد الوطني بحاجة إلى الرئيس بارزاني لا يعني انتقاصا من مكانته أو تاريخه، بل هو تعبير عن واقعية سياسية غابت في كثير من الأحيان عن الخطاب الحالي. فالعقل السياسي الذي يدار به الاتحاد، يبدو أحيانا غير منسجم مع حجم التحديات، ولا مع متطلبات المرحلة التي تحتاج إلى خطاب موحّد أو على الأقل متوافق، بدل خطاب التصعيد والمواجهة المفتوحة.
اما على الصعيد العراقي، لا يمكن تجاهل أن المفاوض الكوردي الأقوى كان دائما هو المفاوض الموحد. وكلما تفرّق الكورد، ضعفت قدرتهم على التأثير في اختيار الرئاسات، وفي صياغة التفاهمات الكبرى، وفي الدفاع عن استحقاقاتهم الدستورية، بما فيها رئاسة الجمهورية نفسها. أما على الصعيد الدولي، فإن العالم لا يتعامل مع الانقسامات، بل مع القيادات القادرة على اتخاذ القرار، وهو ما يمنح الرئيس البارزاني وزنا خاصًا يمكن – بل يجب – أن يُستثمر لمصلحة القضية الكوردية ككل، لا لمصلحة حزب دون آخر.
إن العودة إلى منطق الشراكة مع الرئيس بارزاني ليست تراجعا، بل تصحيح مسار. وهي استعادة لنهج سياسي كان يؤمن به طالباني، حين كان يقول إن السياسة فن الممكن، وإن حماية المشروع الكوردي تتطلب أحيانا التنازل المتبادل لا التصعيد المتبادل. فالوحدة، أو الحد الأدنى منها، هي السلاح الأهم في مواجهة التحديات الداخلية العراقية، والتقلبات الإقليمية، وحسابات المجتمع الدولي.
في النهاية، الواقعية السياسية لا تُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرة القيادات على قراءة اللحظة التاريخية. واليوم، تبدو هذه اللحظة واضحة: الاتحاد الوطني بحاجة إلى الرئيس بارزاني، لا كخيار اضطراري، بل كشريك استراتيجي. فبهذه الواقعية فقط يمكن إعادة ترتيب البيت الكوردستاني، وتعزيز موقع الإقليم داخل العراق، وحماية القضية الكوردية على المستويين الإقليمي والدولي.