الشبك أصلهم ومعتقداتهم

نبيل عبد الأمير الربيعي

منذُ قديم الزمان العراق ضمَّ خليطاً متجانساً من المكونات الدينية والقومية والمذهبية والعقائدية، وهي إحدى سمات المجتمع العراقي القديم والحديث، إذ يُعد العراق مركزاً مهماً لمختلف الجماعات على مر العصور، وأدت العديد من العوامل والمؤثرات التي تعرضت إليها الأراضي العراقية إلى رسم وخلق نوع من التنوع الديني والعرقي والعقائدي، وفي هذا المقال نتحدث عن أحد هذه المكونات المنصهرة في المجتمع العراقي، وهم الشبك، إذ يعدون من أحد المكونات المهمة والأساسية في خلق نوع من أنواع التلاحم والوحدة الوطنية.
كان للدين بشكل عام تأثيراته في تشكيل الفكر الأنثروبولوجي في العقود الأولى من القرن العشرين، ولا سيّما على النُظم الاجتماعية. إلاّ أنّ ذلك التأثير تضاءل أمام تعاظم التيارات التحرّرية وما رافقها من إنجازات علمية هائلة، الأمر الذي حدا في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، إلى تقبّل فكرة الحوار وحرية المناقشة في الأمور الدينية والدنيوية بعيداً عن الأساليب القمعية التقليدية .وقد شهد القرن العشرين مراحل تكوين الأنثروبولوجيا وتطويرها، لتصبح كياناً أكاديمياً ومهنة متخصّصة عند كثير من العلماء والفلاسفة والباحثين. فعلى الرغم من أنّ الفكر الأنثروبولوجي قد ظلّ خلال العقدين الأوليين من القرن العشرين، متأثّراً إلى حدّ بعيد، بالنظريات التي سادت وتبلورت في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، فإنّه سرعان ما تغيّر وتحوّل إلى منطلقات جديدة، نتج عنها اتّجاهات متعدّدة إزاء دراسة الإنسان وحضارته، سواء ما كان منها نظرياً أو منهجيّاً
وهكذا، شَكّلَ هذا العلم دعامة أساسيّة في ثقافة القرن العشرين عامة، وفي الفكر الأنثربولوجي خاصة، حيث كان وثيق الصلة بالفكر الاجتماعي والقضايا الإنسانية التي أسهمت في تحديد موضوعات الدراسات الأنثروبولوجية، ومناهجها وأهدافها.
فالشبك مسلمون غالبيتهم من الشيعة وقسم منهم من السنة، وهم إحدى الأقليات التي تعيش في شمال العراق منذُ ما يقارب خمسة قرون، ويتحدثون لغة تتميز عن العربية والكردية، وهم يعيشون مع بقية الأقليات الدينية كالمسيحين والإيزيديين والكاكائيين في منطقة سهل نينوى في محافظة الموصل. ويمارسون التقية حفاظاً على عقائدهم وتاريخهم، والتقية عند الشبك مستقاة فهي يتدرع بها الشيعي الإمامي الذي احاطت به المهالك والمخاطر عدة عصور لدرء تلكم المهالك والمخاطر عن نفسه.
ورغم الكتب القليلة التي صدرت عن الشبك: كتاب أحمد حامد الصراف – 1954م، وكتاب الشبك في العراق للكاتب زهير كاظم عبود، كتاب أحمد شوكت، الشبك الكورد المنسيون، والباحث الدكتور رشيد الخيون والباحث أدهام عبد العزيز الولي والباحث رشيد البندر والباحث إسماعيل سلطان والكاتب شاخه وان، وأخيراً السيد صافي الياسري وغيرهم، إلا أن القلَّة من هذه الدراسات من عالجت مسألة أصول الشبك. لكن أقدم الروايات التاريخية تشير إلى وجودهم في العراق منذ أواخر العهد العباسي، كما أشارت الوثائق العثمانية إليهم كجماعة مستقلة منذ القرن 16 الميلادي. وأن طريقة البكتاشية الصوفية كان لها وجود كبير في السابق بينهم.
يذكر القاضي زهير كاظم عبود في كتابه (الشبك في العراق) قائلاً: “بالرغم من أن الشبك شريحة مهمة وفاعلة من شرائح المجتمع العراقي، لم يزل المواطن العراقي والقارئ العربي بشكل عام يجهل العديد من المعلومات الأساسية والحقيقية عنهم، ولم يزل الكثير من العراقيين ممن لم يسمع أصلاً بالشبك ولا يعرف عنهم أدنى مستويات المعرفة المطلوبة من المواطن أزاء مكونات مجتمعه، وهذا الأمر ينسحب على بعض الشرائح الاجتماعية التي يتشكل منها المجتمع في العراق، كما لم يزل العديد ممن تمكنت الكتابات المغرضة أن تشوه صورتهم في ذهنه، لا يعرف سوى المعلومات المزورة والمنحرفة عنهم والتي يرددها دون أن يعرف السند والمصدر، بالرغم من أن الشبك وواجبات، وناضلوا مع بقية مكونات أبناء أمناء لهذه الأرض، ضحوا من أجلها ومن أجل ان يكون للإنسان فيها حقوقا وكرامة العراق جنبا الى جنب، وامتزجوا ضمن تنظيمات الحركة الوطنية والسياسية ، وتحملوا من ضيم حكامه وميش حكوماته، وقدموا نخبة طيبة من شبابهم قرابين للتضحية في سبيل خلاص العراق من الطغاة والسلطات الشوفينية والطائفية، وبالإضافة إلى تمسكهم بدينهم والتزامهم بمذاهبهم، ومع كل هذه الحقائق لم يزل من يعتقد ببعض المعلومات الخاطئة والمليئة بالافتراء والدس عنهم، والتي كتبت لأغراض وأسباب طائفية وسياسية بقصد النيل منهم مجتمعا ومذهبا، وهم المتمسكين دوما بكل القيم التي يتمسك بها العراقيون عرباً وأكراداً بما فيهم الفيليون وتركماناً وكلداناً وآشوريين وأرمن وسريان”.
ويؤكد د. رشيد الخيون في كتابه (الأديان والمذاهب بالعراق) قائلاً: “تمتاز منطقتا الموصل وكركوك عن غيرها من المناطق العراقية الأخرى بكثرة تعدد أعراق وديانات ومذاهب سكانها. فهي تحتل تقريباً التنوع العراقي كافة: العرب والأكراد والآثوريون والكلدان والسريان ومختلف الديانات من مسلمين ومسيحيين وأيزيديين ويهود. إضافة إلى المذاهب والطرق الصوفية والزوايا والتكايا المختلفة، وربما بقايا من الزرادشتية. ناهيك من وجود الديانة الشمسية (يقدسون الشمس ويقدمون البنات على الأولاد) هناك إلى عهد قريب.
يعد للشبك من المسلمين وغالبيتهم من الشيعة وقسم منهم من السنة، وهم إحدى الأقليات التي تعيش في شمال العراق منذُ ما يقارب خمسة قرون، ويتحدثون لغة تتميز عن العربية والكردية، وهم يعيشون مع بقية الأقليات الدينية كالمسيحين والأيزيديين والكاكائيين في منطقة سهل نينوى في محافظة الموصل. ويمارسون التقية حفاظاً على عقائدهم وتاريخهم، والتقية عند الشبك مستقاة، فهي من خلالها يتذرع الشيعي الإمامي الذي احاطت به المهالك والمخاطر عدة عصور لدرء تلكم المهالك والمخاطر عن نفسه.
وعادةً يسكن اليوم الشبك بأعداد كبيرة في مركز مدينة الموصل وفي عدة أحياء، والتي تفصلها عن كردستان العراق من الجهة الشرقية مجموعة من القرى تتناثر ومتوزعة على جوانب الطرق التي تربط أربيل والموصل بكركوك.
وفيما يخص أعرافهم وعاداتهم وتقاليدهم، فعرف عنهم بأنهم أليَّن أخلاقاً من سائر الأقوام القاطنين في قرى الموصل الشرقية، وأحسن من أولئك أريحية وسليقة، وأكثرهم اعتدالاً في كل شؤونهم، فصلاتهم مع سائر الناس من سكان الموصل عرباً وتركماناً وغيرهم صلات جميلة، وهم أهل زرع وضرع وما زالت البداوة قائمة فيهم، وهم أشد الناس حرصاً على أعراضهم، يستنكفون من الرذيلة ويبتعدون عن الفحشاء والبغاء، وليس فيهم فتى مطعون في سلوكه ولا فتاة تحوم حولها الريب والشكوك.
وما كُتبَهُ المؤرخون عنهم وغالباً ما يعد من الغُلاة (العلي إلهية)، دون الالتفات إلى انقسام الشبك المذهبي الشيعي والسُنَّي كباقي الشعوب والقبائل الإسلامية. وكُتبَ عن الشبك بشكل عابر مؤرخون كُرد وعرب ورحالة غربيون ومستشرقون، مثل المستشرق الروسي (فلاديمير مينورسكي) وستيفن همسلي لونكريك وهو أحد ضباط الحملة البريطانية على العراق في كتابه (العراق الحديث). وقد اعتقد خطأً منذ العشرينيات ذوبان التكوينات العراقية في المجتمع العربي، وذلك عند حديثه عن التركمان العراقيين. وعدَّ الشيبي الشبك طريقة دينية متأثرة بالطريقة الصفوية. أما المحامي عباس العزاوي في كتابه (الكاكائية) والصادر ببغداد عام 1949م فيعترف بإسلام الشبك ويعدهم من الفرق الغالية، والبعض يعتبرهم من البقايا الصفوية التي بدأت في القرن الرابع عشر في غرب أذربيجان. كما تناولت بعض الكتب الشبك باعتمادهم فرقة من الغلاة في العراق، أو هم خليط من الزرادشتية والأيزيدية والمسيحية واليهودية وهذا بعيد عن حقيقة الديانة الشبكية، ومن هؤلاء المؤلف أحمد حامد الصراف في كتابه (الشبك من فرق الغلاة في العراق)، الذي ملأ كتابه بالأدعية والابتهالات وأطلق عليها كتاب الشبك المقدس واعتبرهم ديانة لا عشيرة كردية تدين بالإسلام على مذهبين شيعي وسني كباقي الكُرد. ويذكر الصراف في كتابه حول كتاب (المناقب) قائلاً: “يحتوي على حوار في آداب الطريقة بين الشيخ صدر الدين وبين قطب العارفين الشيخ صفي الدين الأردبيلي. ويعد كتاب المناقب من الكتب المقدسة ويعرف عندهم بالبرخ (البويورق) أي ما يتفضل به”. إلا أن كتب البرخ (البويورق) يعتبر من كتب القزلباشية لا علاقه له بالشبك.
أما فيما يخص لغتهم ومعتقداتهم، فاللغة تعد الوسيلة الأساسية للتواصل والتفاهم بين بني البشر، لذا هي وسيلة التفاهم وتبادل الأفكار والتقارب، وتعد أهم عنصر من عناصر الحضارة. واللغة تتألف من مجموعة من الأصوات تتحول إلى رموز مكتوبة في مرحلة تالية، وهذه الأصوات وإن كانت المظهر الأخير من مظاهر اللغة، بيد أنها اللبنات الأولى التي تتكون منها الوحدات الكبرى كالكلمات والجُمل، وبطبيعة الحال فإننا لا نتكلم مفردات اللغة، بل إن المفردات ينتظم بعضها مع البعض الآخر بموجب قواعد معينة بعضها عام ومشترك بين لغات الأرض كافة، وبعضها خاص وهذه القواعد في غاية التعقيد. واللهجة الشبكية هي لهجة كُردية تقترب من اللهجة الهوارمية ولهجة أهل خانقين أكثر من 90 %، والطفل الشبكي قادر على استيعاب المناهج في بداية سني دراسته باللغة الكردية مليون مرة أكثر من أية لغة أخرى.
أما التعرف على أصلهم وعقيدتهم في العراق، فمنهم من جعلهم عرباً وعدَّهم مجرد عشيرة عربية، وهناك من ذهب إلى أنهم كورد أقحاح، أو أنهم اتراك في روايات أُخر، وذهبت بعض القيادات الكُردية الرسمية إلى عدّ الشبك والإيزيديين هم أصل الأكراد. وهناك رواية ترى أن الشبك أتوا مع جيش نادر شاه الصفوي عندما حاصر الموصل بتاريخ 1743م، ويُراد من هذه الرواية، إيجاد مرجعية تاريخية خارجية ذات صبغة طائفية شيعية، كون مدينة الموصل معروفة تاريخياً بأنها مدينة ذات أكثرية سُنية. وهناك من ذهب إلى أنهم خَليط من أعراق عدة، بالرغم من تماسك الشبك كمجموعة سكانية على مدى مئات السنين، فهم لا يزوجون نساءهم إلى الكُردي أو العربي المجاور لهم، وما يزالون حتى الآن يتحفظون على تزويج نسائهم من العربي والكُردي، أو الزواج من خارج الجماعة.
وكان لدور حكومة البعث في محاولة تعريب الشبك اساءة لهم ولتاريخم، وقد عانى الشبك من الظلم والتهميش منذ أمدٍ بعيد. فالحكام كانوا يمارسون ضدهم أبشع أنواع الظلم والاضطهاد لأسباب طائفية لكونهم شيعة. واستمر ذلك الظلم طيلة الفترات اللاحقة، خاصة في عهد النظام البعثي البائد الذي رفض الاعتراف بهم كشريحة عراقية لها خصوصيتها، واجبارهم على الاختيار بين القوميتين العربية أو الكردية في التعداد السكاني للسنوات 1977م وسنة 1987م. فمن اختار منهم القومية الكردية كان نصيبه هدم مسكنه والترحيل إلى مناطق في كردستان العراق أو مناطق أخرى تاركاً مسكنه قسراً، ومن اختار منهم العربية كان نصيبه العيش في مناطق التهميش والاهمال مع الاتهام أحيانا بالأصول الأعجمية. لقد جاء سقوط النظام البائد بمثابة فاتحة أمل للشبك وللقوميات والطوائف الأخرى في الاعتراف بها كجزء من التعددية الثقافية والفكرية للفسيفساء العراقي.
ولتوضيح مراقد أئمة الشبك في هذا المقال، علماً أن الشبك يقدسون الائمة الأثنى عشرية الذين يقدسهم الشيعة الامامية ويعدونهم أئمتهم المكرمين المعصومين، فينذرون لهم النذور ويقدمون باسمائهم القرابين ويتغنون بالقصائد (كلنبك) بمآثرهم وكراماتهم ومعجزاتهم تقرباً إليهم وطلباً للشفاعة منهم. وللشبك مواسم عامة ومواسم خاصة لزيارة المراقد والعتبات المقدسة، ومواسمهم العامة هي عين مواسم الشيعة الإمامية، كيوم عاشوراء ويوم مرد الرأس، ويوم الخامس عشر من رجب وكذلك الخامس عشر من شهر شعبان يوم ذكرى مولد الامام المهدي الغائب المنتظر.
ودور الشبك القدماء في بناء الموصل كان له أهمية كبيرة، وربما كانوا أول من بنى هذه المدينة الكوردية وسموها قديما قلعة (نوادشيرون) نسبة إلى القائد الذي بناها، وإن للشبك جيل من الناس، كوردي العنصر، مبثوثون في قرى ولاية الموصل، وهم بقايا الميديين الذين استولوا على الامبراطورية الاشورية، بالإضافة إلى أن الكثيرين من المؤرخين في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ذكروا أن مدينة الوصل هي كوردية من بينهم المؤرخ الألماني الكبير فون هامر المتوفى في 1849م، والرحالة الايطالي ماركو بولو الذي تكلم عن كوردية هذه المدينة عام 1280م، والبلاذرى في كتابه فتح البلدان وغيرهم الكثيرين. وأخيراً ملحق كتاب المناقب (البويوروق)، وهو ترجمة وتلخيص الكاتب (أحمد حامد الصراف) في كتابه الشبك من فرق الغلاة في العراق، مطبعة المعارف، بغداد، 1954م.

المصادر:
– سعد سلوم، الأقليات في العراق (الذاكرة، الهوية، التحديات)، مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية، بغداد، 2013، ط1، ص206.
– مقال للباحث محمد الشبكي تحت عنوان (الشبك: هوية صغرى تصارع هويات كبرى).
– د. هدى علي كاكه ئيى، الأقليات الدينية في العراق تاريخ وحضارة، دار ومكتبة عدنان، بغداد، 2019، ص99.
– زهير كاظم عبود، الشبك في العراق، ط3، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2008.

قد يعجبك ايضا