تجاوز بغداد على الصلاحيات الدستورية بفرض نظام (أسيكودا) وقراءة في حصانة إقليم كردستان القانونية بموجب المادتين 115 و121

ريناس السندي

تتصاعد في الآونة الأخيرة حدة النقاشات القانونية والسياسية حول توجه الحكومة الاتحادية في بغداد نحو فرض النظام الإلكتروني الجمركي العالمي المعروف بـ”أسيكودا” على المنافذ الحدودية في إقليم كردستان، في خطوة يراها قانونيون ومراقبون تجاوزاً صريحاً على بنية النظام الفيدرالي الذي أقره دستور جمهورية العراق لعام 2005، حيث إن هذا القرار لا يمثل مجرد إجراء تقني لتنظيم التجارة، بل يعكس رغبة مركزية في تقويض الصلاحيات الإدارية والمالية التي كفلها الدستور للأقاليم، كضمانة لعدم العودة إلى حقبة التفرد بالسلطة وتركيز القرار في العاصمة الاتحادية وحدها دون مراعاة لخصوصية الأقاليم واحتياجاتها المحلية.
وإذا ما تعمقنا في الجانب القانوني الصرف لهذه المعضلة نجد أن المادة 115 من الدستور العراقي قد وضعت حداً فاصلاً وواضحاً من خلال نصها الصريح على أن كل ما لم يُنص عليه في الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية يكون من صلاحية الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم. ولما كانت المادة 110 التي حددت تلك الاختصاصات الحصرية تخلو تماماً من أي إشارة تمنح بغداد حقاً حصرياً في إدارة الأنظمة التقنية أو الإجرائية للجمارك داخل الأقاليم، فإن محاولة فرض نظام “أسيكودا” بقرار أحادي من المركز تعد مخالفة دستورية جسيمة تضرب بعرض الحائط مبدأ توزيع السلطات، وتتجاهل حق إقليم كردستان في إدارة شؤونه الداخلية ومنافذه وفقاً للآليات التي يراها مناسبة وتتلاءم مع نظامه الإداري المتطور الذي بناه على مدى عقود من الزمن.
وبالموازاة مع ذلك تأتي المادة 121 من الدستور، في فقرتها الثانية، لتعزز هذا الموقف القانوني الصلب للإقليم، حيث منحت هذه المادة سلطات إقليم كردستان الحق في تعديل تطبيق القانون الاتحادي داخل حدود الإقليم في حال وجود أي تعارض أو تناقض بينه وبين قوانين الإقليم في المسائل التي لا تندرج ضمن الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية. وبما أن إدارة الجمارك من الناحية التنفيذية والتقنية هي من المسائل المشتركة أو التي تقع ضمن صلاحيات الإقليم، فإن قرار بغداد بفرض “أسيكودا” يفتقر إلى القوة الإلزامية التي تجبر الإقليم على التخلي عن نظامه الجمركي المعمول به واستبداله بنظام مفروض من الأعلى دون توافق أو تنسيق مسبق يحترم الكيان الدستوري للإقليم وصلاحياته التشريعية والتنفيذية.إن هذا الإصرار من قبل الحكومة الاتحادية لا يمكن تفسيره إلا كمحاولة لإضعاف المؤسسات الرسمية في إقليم كردستان وتحويلها إلى مجرد دوائر تابعة تنفذ ما يُملى عليها من مراكز القرار في بغداد، وهذا بحد ذاته يمثل تراجعاً خطيراً عن روح الدستور الذي أرسى دعائم اللامركزية والفيدرالية كحل وحيد لضمان استقرار العراق وتنوعه الإداري والسياسي.
كما أن فرض نظام تقني بهذا الحجم يتطلب بنية تحتية وقوانين ضريبية متطابقة، وهو ما قد لا يتوفر حالياً بالصورة التي تخدم مصلحة مواطني الإقليم وتجارِه الذين اعتادوا على سياقات إدارية مرنة وناجحة أثبتت كفاءتها في إدارة الحركة التجارية عبر الحدود طوال السنوات الماضية.ومن هنا تبرز الضرورة الملحة للتمسك بالنصوص الدستورية التي تحمي حقوق الأقاليم، وعدم السماح للقرارات الإدارية والسياسية المتقلبة في بغداد بأن تصبح بديلاً عن المبادئ فوق الدستورية التي تم التصويت عليها من قبل الشعب العراقي بكافة مكوناته، حيث إن حماية الصلاحيات المالية والإدارية لإقليم كردستان ليست مجرد شأن محلي، بل هي دفاع عن التجربة الديمقراطية العراقية برمتها، ومنع لتحويل الدولة إلى نظام مركزي شمولي من جديد تحت غطاء الرقمنة أو توحيد الإجراءات الجمركية، التي يجب أن تتم عبر الحوار المتبادل والاتفاقات الثنائية التي تضمن المصالح المشتركة دون المساس بالسيادة القانونية للإقليم التي كفلتها المادتان 115 و121، واللتان ستبقيان المرجعية الأساسية في فض أي نزاع ينشأ بين المركز والإقليم حول توزيع الصلاحيات وإدارة الثروات والمنافذ الوطنية بأسلوب يحفظ للجميع حقوقهم وواجباتهم في إطار العراق الفيدرالي الموحد.

قد يعجبك ايضا