احداث عاصرتها

محسن دزه ايي

 

 تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).

يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

 

الجزء الثامن والعشرون

معارك جبل هيبت سطان

قامت قواتنا بالتحشد فى جبل هيبت سلطان شمال كويسنجق  والذي يشرف على المدينة وأعادت تنظيم صفوفها، واستلم القيادة عبدالله آغا بشدري الذي كان يقود جبهة سفين ايضاً، وبعد وصـول قوات الجيش مدينة كويسنجق واستقـرارها فيها انضمت اليها وحدات أخرى قادمة من كركوك عن طريق طق طق، وبعد ذلك بدأت بشن هجومها على جبل هيبت سلطان، الا ان الهجمات المتكررة قد فشلت كلها أمام شدة مقاومة الأنصار المدافعين، وفي هذه الاثناء حضر مقرنا فى (سويره له) كل من الضباط المتقدمين نافذ جلال ونامق عبدالله وهما من أسرة (حويزي) المعروفة في كويسنجق، والتحقا بصفوف الثورة بعد انقلاب الثامن من شباط، وقد عرضا خدماتهما، وقد طلب منهما عمر دبابه التأكد من صحة المواقع الدفاعية لقواتنا في جبل هيبت سلطان، ومدى متانتها وقدرتها على الصمود أمام هجمات الجيش، وبعد تفتيشها لها ابديا رضاهما عنها.

وفي هجوم آخر للجيش والذي فشل ايضاً، جُرح عبدالله بشدرى قائد جبهتنا وقد تم اخلاؤه وأرسل للمعالجة، وأستمرت الهجمات طوال أسبوع كامل وانضم الى قواتنا المدافعة فصيل من سهل أربيل، وهو فصيل المرحوم فارس حمد باوه المشهور بشجاعته، وقد ابدى الفصيل المذكور شجاعة بطوليـة فائقة في الدفاع عن الجبل المذكور، رغم ان ذلك كان تجربتهم الأولى في القتال في تلك المواقع الجبلية، وكنت أعرف أكثر افراد ذلك الفصيل، لأنهم كانوا جميـعا من سكان منطقتنا في سهل دزه يي أو سهل أربيل.

 

“مر الزمن فقد عُينت سفيراً للعراق في براغ لدى جمهورية جيكوسلوفاكيا الشعبية (آنذاك)، بعد اتفاقية الحادي عشر من آذار سنة 1970، وفى سنة 1972 وصلني خبر بتعيين الضابط المذكور (طه الشكرجي) الذي اصبح عميدأ في الجيش- ملحقأ عسكريأ في السفارة العراقية، فرفضت قبول هذا المجرم طيلة وجودي هناك على رأس السفارة، كما أن الحكومة  الجيكوسلوفاكية قد رفضت قبوله خلال وجودي هناك”

 

واستمر ذلك الوضع اسبوعاً كاملاً تكبدت خلاله قوات الجيش خسائر كبيرة، وعدداً هائلًا من القتلى ووقع من جانبنا أربعة شهداء فقط طوال تلك المدة.

وفي الثلاثين من شهر حزيران، تمكنت وحدة من الجيش التسلل نحو مواقعنا بواسطة المرتزقة والخونة وخلال طريق جبلي جانبي، وأدى ذلك الى تخلخل دفاعاتنا، وبعد معركة حامية تمكنت وحدات من الجيش من السيطرة على الممر الرئيسي وعلى جانب من الجبل، وفي يوم 1/7/1963 اضطرت قواتنا الى الانسحاب من مواقعها وسيطرت القـوات الحكومية على الطريق الرئيسي، والممر الجبلي الذي يسيطر على جانبي الطريق العام القادم من كويسنجق ورانية، ودون أن  تجرأ تلك القوات على التحرك أبعد من ذلك في سلسلة الجبل وكان مقرنا في تلك السلسلة وليست بعيدة عن موقع القتال.

 

بعد بضعة أيام تحركت قوات الجيش نحو مدينة رانية الواقعة في سهل بيتوين، ولم يكن امامها أي مانع طبيعي ولم يكن الموقع مناسباً للدفاع بل أن جبل هيبت سلطان هو المانع الطبيعي الوحيد الفاصل رانية عن كويسنجق، ويمر طريق آخر اسفل الجبل عند نهايته وفي بداية السهل للقادمين من جهة سد دوكان والسليمانية، ويتقاطع مع الطريق الأولي، ويسمى موقع هذا التـقاطع ب (بيستانه ) وهناك قرية في سفح الجبل تحمل هذا الاسم، كان هنالك مبنى صغير عند هذا التقاطع من اللبن والطين ويستعمل كمـقهى شعبي للمارة ولركاب الســيارات التي تتنقل بين رانية وكويسنجق أو القادمة من دوكان والذاهبة اليها، كان المقهى متروكأ منذ نشوب القتال فعسكر الجيش هناك بعد نزوله من جبل هيبت سلطان وثم التحقت به وحدة أخرى قادمة من جهة دوكان، قام آمر تلك القوات المعسكرة هناك المقدم الركن طه الشكرجي بجمع ضباط الصف الكورد العاملين في وحدته، وعددهم كان يبلغ حوالي اثني عشر ضابط صف وأدخلوا ذلك المقهى وأمر بفتح النار عليهم جميعاً، ثم أمر بهدم المبنى على جثثهم المتناثرة فدفنوا تحت الأنقاض.

وبعد مرور بضعة أشهر، وبعد أن أطاح عبد السلام عارف بشركائه في الانقلاب من حزب البعث، وتوصله الى عقد هدنة مع القـيـادة االكوردية في العاشر من شهر شباط سنة 1964 ، وعندما أراد صاحب المقهى اعـادة بنائه عثر على جثث هؤلاء الضحايا تحت الانقاض، ولاشك في أن هذه الاعمال البربرية تعتبر في نظر القانون الدولي جرائم حرب ضد الانسانية، ولا أعلم ان كان هذا المجرم وأمثاله يقدمون لمحكمة دولية أم لا لينالوا العقاب العادل؟!

ومر الزمن فقد عُينت سفيراً للعراق في براغ لدى جمهورية جيكوسلوفاكيا الشعبية (آنذاك)، بعد اتفاقية الحادي عشر من آذار سنة 1970، وفى سنة 1972 وصلني خبر بتعيين الضابط المذكور (طه الشكرجي) الذي اصبح عميدأ في الجيش- ملحقأ عسكريأ في السفارة العراقية، فرفضت قبول هذا المجرم طيلة وجودي هناك على رأس السفارة، كما أن الحكومة  الجيكوسلوفاكية قد رفضت قبوله خلال وجودي هناك، وسآتي على ذكر تفاصيل هذا الوضوع فيما بعد عندما آتي على الحديث عن وجودي كسفير في جيكوسلوفاكيا.

مكثنا في ذلك المقر فى (سويره له) فى امتداد جبل هيبت سلطان بضعة أيام وفي ظروف شاقة وصعبة جدأ، بحيث لم يكن من السهل تحملها، فكانت المنطقة تتزود بمياه عين صغيرة تتحدر من سفح الجبل نحو الوادي وتنحدر على شكل شلال صغيرة من علو شاهق ولم تتجاوز حجم المياه الساقطة بضعة إنجات، وكانت تشكل عند سقوطها بركة صغيرة تستعمل للغسيل والاستحمام وغيرهما فتحولت مياهها بسرعة وخلال أيام الى مركز للحشرات والديدان القذرة، وكانت هذه المياه تستعمل من قبل أكثر من مائة شخص من المتواجدين في ذلك المقر.

 

السفر الى بيتواتة

في نهاية الاسبوع الاول من شهر تموز سنة 1963 قمنا مع عمر دبابة بجولة فى منطقة سهل كويسنجق، الواقع جنوب مقرنا وكان يصعب على قوات الجيش الابتعاد كثيرا عن المدينة أو الانتشار في هذا السهل الشاسع، لذا كنا نتجول بكامل الحرية في المنطقة ولم يكن عدد المسلحين الذين رافقونا يتجاوز العشرة أشخاص، ودامت هذه الجولة يومين فقط، قضينا اليوم الأول في قرية خرابة العائدة لعزيز صالح آغا قريب كاكه زياد آغا، واليوم الثاني في قرية قوزلو على الساحل الغربي للزاب الصغير ضيـوفأ على الشيخ جنكي طالباني الاخ غير الشقيق لجلال الطالباني. بعدها عدنا ثانية الى مقرنا المذكور وبعد يومين أو ثلاثة استلم عمر دبابه برقية لم أطلع على محتواها أو مصدرها، وذكر بأننا مغادرون هذه الليلة الى قرية بيتواته في منطقة رانية القريبة نوعأ ما الى مركز القضاء، ولكنها فى مكان محكم نسبيأ لاتصلها قوات الجيش بسهولة ويصعب وصول العجلات والآليات اليها، وتعتبر حصينة الى حد ما وعلى الأخص بالنسبة لذلك الوقت، كان فى تلك القرية أحد المقرات الرئيسية لقوات الانصار ويديرها الشهـيـد علي شعبان، وهو من الرجال الشجعان والاداريين الكفوئين وكان من الذين رافقوا الزعيم الراحل مصطفى البارزاني في مسيرته الشهيرة الى الإتحاد السوفيتي سنة 1947 ،كانت قوات الجيش تعسكر في مدينة رانية وترابط على طول الطريق الواصل بين رانية وكويسنجق، وبين كويسنجق وأربيل أي على طول جميع الطرق العامة، لذا فقد سافرنا ليلأ سيرأ على الأقدام يرافقنا بعض المسلحين يتراوح عددهم بين 10-12مسلحاً، كانت الليلة مظلمة والطريق وعرأ جدأ لأننا سلكنا الطرق الفرعية تحاشياً للمرور قرب القـوات الرابطة في الطريق العام، وفي الصباح الباكر وصلنا أحدى القرى الواقعة في سهل بيتوين، واستضافتنا صاحبة الدار التي حللنا فيها ويظهر أنها كانت الدار الرئيسية في تلك القرية، وكانت صاحبة الدار أرملة في أواسط عمرها وانها كانت أرملة رئيس القرية الراحل، فرحبت بنا مع ابنها الصبي الذي كان يبلغ الثانية عشر أو العاشرة من عمره، لكنه كان يتصرف كالرجال البالغين، وكانا مضيافين وكريمين جدا، وبعد استراحة قصيرة وتناول ماتيسر من الطعام والذي كان أفضل بكثير من طعام مقرنا غادرنا الدار بعد أن شكرنا أهلها وتحركنا نحو بيتواتهن ووصلناها حوالي ظهر نفس اليوم وحللنا ضيوفأ على الشهيد على شعبان الذي رحب بنا كثيرأ، وكانت بيتواته تعتبر مدينة بالنسبة الى مقرنا، حيث ظلال الاشجار والبساتين والينابيع الباردة، ومقرات عمل البيشمركه كحانوت الخياطة والحلاقة والمستشفى الصغير وغيرها، وبعد برهة من الاستراحة قدم لنا علي شعبان وجبة شهية جداً من الغداء، تتكون من الرز المخلوط بالماش.

 

وحللنا ضيوفأ على عباس آغا الذي كان رجلأ كريماً جدأ وشهماً وشجاعاً وكان فارع الطول ذا جسم ضخم، ولكن دون أن تظهر عليه البدانة يتحرك برشاقة وخفة، كان في حوالي الخامسة والاربعين من عمره ومن أوائل الذين التحقوا بالثورة الكوردية، بل انه قد أعلن العصيان على الحكومة المركزية حتى قبل اندلاع الثورة االكوردية، وكان منزله ومنطقته دومأ ملجأين للوطنيين  والهاربين من ملاحقة السلطات وفي جميع العهود، وكان للمرحوم عباس آغا مواقف مشهودة وأدوار بارزة فى الثورة الكوردية، كما كان من المقربين لدى الزعيم البارزاني

 

ولازلت أذكر تلك الوجبة اللذيذة التي لا انساها بالرغم من انها كانت متواضعة، ولكن كوننا لم نذق مثلها منذ اسابيع فقد اعتبرتها ولازلت بأنها من الذ وأشهى وجبات الطعام.

وأذكر بأنني قد رويت قصة تلك الوجبة الشهية للزعيم الراحل مصطفى البارزاني سنة 1977 فى الولايات المتحدة الامريكية، عندما كنت أرافقه فى سفره للعلاج، وقد قال لي البارزاني: ((أن الانسان عندما يكون جائعاً سوف يذكر الوجبة التي اشبعته من الجوع ويعتبرها من أشهى الوجبات مهما كان متواضعة)).

 

 

وبينما نحن في بيتواتة أخبرني علي شعبان بأن أحد افراد البيشمركه يسأل عني ويقول بأنه من أقاربي، وهو حالياً مرابط في الخطوط الامامية للحراسة وسوف تنتهي واجباته مساءاً اليوم فيعود الى القرية، وعندما عاد مساء وجدته هو (حيدر بيرداود) وهو من قريتنا ومن أقاربي، وأن والده هو من وكلائنا ومعتمدينا في القرية، وأنه شخصياً من أصدقاء الطفولة رغم أنه أصغر مني سنأ.

وكان الموما اليه عريفأ في الجيش العراقي ومن أفراد المدفعية ولكنه التحق بالثورة سنة 1962 أسوة بغيره من أفراد الجيش والشرطة من الكورد، فرح حيدر كثيرأ عند مشاهدته لي كما وفرحت بلقائه ايضا، فقدم فورأ خدمات جليلة لي وأخذ ملابسي للغسيل وأحضر لي حلاقًا لقص شعري بالرغم من كوني شبه حليق، كما وأخذني للأستحمام في المكان المخصص لذلك. وعند تجوالي في بعض أنحاء القرية، مررت بالمكان المخصص للخياطة وتجهيز الملابس لأفراد البيشمركه، فصادفت المرحوم طاهر آغا عقراوى (الخياط) الذي كان يدير الحانوت المذكور، ولمعرفة سابقة رحب بي كثيرأ وعرض علي أن يفصل لي بدلة خاكية خلال ساعات، وقد بذل قصارى جهده لخياطة بـدلة أنيقة ومناسبة ومن أجود أنواع الأقمشة المتيسرة لديه، وفعلأ كانت بدلة أنيقة وممتازة احتفظت بها لسنوات.

ثم صادفت المدعو حسين شكاك، وكان من أفراد شرطة المرور فى أربيل وأعرفه سابقا، وكان من أعضاء الحزب التحق بالثورة منذ مدة، وبعد تبادل التحية عرض عليَ أن استبدل بندقيتي معه، حيث كان يحمل بندقية سمينوف وهى خفيفة جدأ بالنسبة للبندقية التى كنت أحملها وذلك كتسهيل وخدمة يقدمها لي فوافقت على ذلك شاكرأ.

وبعد مكوثنا يومين في بـيـتـواته غادرناها متـوجهين الى المنطقة المسماة (دولة ره قه) القريبة نوعأ ما من بيتواته، والتى تقع في المنطقة العائدة لعشيرة (آكو)، ويسكن تلك المنطقة رئيس العشيرة (المرحوم عباس مامند آغا) وكانت تلك المنطقة مستعصية ووعرة جداً لا يمكن أن تصلها الوحدات العسكرية وحتى أن الانسان يتمكن فيها بسهولة من أن يحتمي من الهجمات الجوية. وحللنا ضيوفأ على عباس آغا الذي كان رجلأ كريماً جدأ وشهماً وشجاعاً وكان فارع الطول ذا جسم ضخم، ولكن دون أن تظهر عليه البدانة يتحرك برشاقة وخفة، كان في حوالي الخامسة والاربعين من عمره ومن أوائل الذين التحقوا بالثورة الكوردية، بل انه قد أعلن العصيان على الحكومة المركزية حتى قبل اندلاع الثورة االكوردية، وكان منزله ومنطقته دومأ ملجأين للوطنيين  والهاربين من ملاحقة السلطات وفي جميع العهود، وكان للمرحوم عباس آغا مواقف مشهودة وأدوار بارزة فى الثورة الكوردية، كما كان من المقربين لدى الزعيم البارزاني، وأنتخب عضواً لمجلس قيادة الثورة االكوردية عند تأسيسها سنة 1964 ، وقد توفي فى نهاية حـزيران أو اوائل تموز سنة 1966 في بغداد أثر مرض عضال رحمه الله.

قد يعجبك ايضا