عرفان الداوودي
في بلدٍ يئنّ من الفقر، وتختنق مدنه بالخدمات المنهارة، ويقف فيه المواطن ساعاتٍ أمام أبواب المستشفيات بلا دواء، ولا كهرباء ولا ماء صالح للشرب و..، يواصل البرلمان العراقي تسجيل رقمٍ قياسي عالمي جديد: (أغلى برلمان في العالم… وأثقل فاتورة على شعبٍ منهك).
وفق البيانات المعلنة لوزارة المالية العراقية، شهدت نفقات مجلس النواب ومؤسساته ارتفاعًا سنويًا متسارعًا، بنسبة بلغت نحو 30٪ خلال العقد الأخير، إذ قفزت الميزانية من 470 مليار دينار عراقي عام 2015 إلى أكثر من 612 مليار دينار، دون أن يواكب هذا الارتفاع أي تحسن ملموس في الأداء التشريعي أو الرقابي.
الفضيحة الأكبر أن الحصة الأعظم من هذه الزيادة ذهبت للرواتب والمخصصات، حيث شكّلت ما يقارب 18٪ من مجمل الزيادة، في وقت يعيش فيه ملايين العراقيين تحت خط الفقر، أو على حافته.
ووفق تقارير الاتحاد البرلماني الدولي، يُصنَّف النائب العراقي كأغنى نائب في العالم، إذ يصل راتبه السنوي إلى نحو 165 ألف دولار، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف راتب النائب في دول مثل السويد ونيوزيلندا وبريطانيا، بل ويتجاوز رواتب نواب في دول صناعية كبرى، بينها الولايات المتحدة.
الراتب الأساسي وحده يقدّر بنحو 73 ألف دولار سنويًا، يُضاف إليه جيش من الامتيازات: 16حارسًا شخصيًا لكل نائب، مخصصات سكن، وقود، سفر، حماية، تقاعد خاص، وامتيازات لا يحلم بها موظف الدولة العادي طوال عمره الوظيفي.
أما الكلفة الإجمالية، فحدّث ولا حرج: نفقات البرلمان العراقي تقترب من ملياري دولار لكل دورة برلمانية، وهو رقم يضاهي ميزانيات دول كاملة، لا مجرد مؤسسة تشريعية.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ماذا قدّم هذا البرلمان مقابل هذه الفاتورة الخيالية؟ هل خفّض الفقر؟ هل استعاد الأموال المنهوبة؟ هل حاسب الفاسدين؟
هل حمى السيادة؟ أم تحوّل إلى نادٍ مغلق لتقاسم الرواتب والامتيازات، بينما يُطلب من المواطن (الصبر) و(شدّ الحزام)!
إن ما يجري ليس خللًا إداريًا، بل نهجًا سياسيًا يقوم على تحميل الشعب كلفة فشل السلطة، وتحويل الدولة إلى مصدر رفاهٍ حصري لطبقة سياسية منفصلة عن الواقع. في الدول المحترمة، يُقاس أجر النائب بحجم إنجازه. وفي العراق، يُقاس فشل الدولة بحجم رواتب نوابها.
إنها ليست أزمة أموال… بل أزمة ضمير!!