الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي*
سكت دهرًا ونطق كُفرًا…
ليس كلُّ صمتٍ حكمة، ولا كلُّ تصريحٍ شجاعة، فبعضُ الكلام لا يُعبِّر عن موقفٍ سياسيٍّ، بل يكشفُ ضيقَ أفقٍ، وفقرَ ذاكرة، واختلالَ ميزانٍ في قراءة التاريخ.
إنَّ التصريح الذي أنكر فيه السيد محمد الحلبوسي أفضال إقليم كوردستان، واختزل فيه أربيل في جملة انفعالية سطحية:
«لو عيشتي تتوقف على ذهابي لأربيل لن أذهب»
لا يُعبِّر عن موقفٍ وطنيٍّ ناضج، ولا رؤية دولة، بل يُجسِّد خطابًا مأزومًا، يُدار بالعاطفة لا بالعقل، وبالانفعال لا بالمسؤولية.
فأربيل لم تكن يومًا محطةً شخصية، ولا وجهةً تُقاس بمنطق المنفعة الفردية، ولا مدينةً تُختزل في مزاج سياسيّ عابر،
بل كانت — ولا تزال — فضاءً وطنيًا جامعًا، وملاذًا سياسيًا، ومأوى للمختلفين حين ضاقت بهم بغداد،
وحاضنةً للرموز الوطنية من شتى المكونات،
في زمن النضال حين كان الصوت الحر مطاردًا،
وفي زمن الدولة حين كانت الخلافات تعصف بالمركز وتُغلق الأبواب في وجوه الخصوم.
أربيل ليست مدينة سياحية في خطاب سياسي،
ولا ورقة ضغط في بازار المواقف،
ولا اسمًا عابرًا في جملة انفعالية،
بل ذاكرة عراقية حيّة،
تاريخ مقاومة،
ومساحة توازن،
وعاصمة استقرار،
ونقطة ارتكاز حين اهتزّت الدولة.
من يُنكر فضل أربيل،
فهو لا يُسيء إلى كوردستان،
بل يُسيء إلى فكرة الشراكة،
وإلى معنى الدولة،
وإلى مفهوم الوطن المشترك.
الدولة لا تُبنى بخطاب الإقصاء،
ولا تُدار بعقلية الاستعلاء،
ولا تُحفظ بالسخرية من الجغرافيا،
ولا تُصان بإهانة الرموز الوطنية.
السياسي الناضج لا يقيس المدن بمزاجه،
ولا يختزل الأقاليم في خلافاته،
ولا يحوّل الجغرافيا إلى خصومة،
ولا التاريخ إلى نكتة انفعالية.
إنَّ أربيل ليست بحاجة إلى شهادة أحد،
لكن الخطاب السياسي هو الذي يحتاج إلى شهادة وعي،
وإلى أخلاق دولة،
وإلى ذاكرة وطن،
وإلى عقل يتسع للعراق كلّه، لا لجزءٍ منه.
فالوطن لا يُدار بالتصريحات،
ولا يُحفظ بالانفعالات،
ولا يُصان بالخصومات،
بل يُبنى بالشراكة،
ويُحفظ بالاحترام،
وتقوم دولته على الاعتراف المتبادل،
لا على الإنكار،
ولا على التقليل،
ولا على التشويه.
أربيل لم تكن يومًا عبئًا على العراق…
كانت دائمًا رصيدًا له.