سوريا ما بعد 2 فبراير 2026

شـريف علي

تأتي هذه الدراسة في لحظة سياسية فارقة تشهدها الجغرافيا السورية بعد دخول اتفاق قسد – دمشق في 29 يناير2026 حيّز التنفيذ في الثاني من فبراير، وهو اتفاق يعيد فتح ملف التوازنات الداخلية في شمال وشرق سوريا، ويعيد رسم خطوط النفوذ بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين. في ظل تعقّد المشهد السوري وتداخل مصالح القوى الكبرى، تبرز أهمية هذه الدراسة، والتي تقدّم قراءة الإتفاق من زوايا متعددة: من ردود الفعل الشعبية، إلى حسابات دمشق، إلى تأثيرات الوجود الأمريكي والتركي، وصولًا إلى الدور غير المباشر لإسرائيل، والدور المحوري لقيادة إقليم كوردستان والرئيس مسعود بارزاني في تهيئة البيئة السياسية التي سمحت بإنضاج الاتفاق.

تسعى هذه الدراسة إلى تجاوز التناول الإخباري السريع، وتقديم تحليل استراتيجي يضع الاتفاق ضمن سياقه الأوسع، ويستشرف المسارات المحتملة لمستقبل المنطقة. إنها محاولة لفهم ما إذا كان 2 فبراير يشكّل بداية مسار جديد نحو الاستقرار، أم مجرد محطة أخرى في مسار طويل من إعادة إنتاج الصراع.
يشكّل دخول اتفاق (قسد – دمشق) حيّز التنفيذ في الثاني من فبراير تطورًا مفصليًا في مسار الصراع السوري، نظرًا لما يحمله من إعادة ترتيب للعلاقة بين طرفين جمعتهما طوال السنوات الماضية معادلة مركّبة من التعاون الاضطراري والخصومة البنيوية. ولا يمكن التعامل مع الاتفاق بوصفه خطوة تقنية أو أمنية محدودة، بل باعتباره مدخلًا لإعادة فتح ملف التوازنات الداخلية في منطقة ذات أهمية استراتيجية، وبداية إعادة تشكيل حسابات القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في المشهد السوري. وقد عكست ردود الفعل الشعبية هذا التحول؛ إذ رحّب الشارع الكوردي بالاتفاق باعتباره خطوة نحو تثبيت وضع سياسي وإداري أكثر استقرارًا، في حين عبّر جزء من الشارع العربي عن خيبة أمل من موقف دمشق، مدفوعًا بمخاوف تتعلق بإعادة توزيع السلطة المحلية، وغياب الشفافية، وما اعتُبر تفريطًا بجزء من الجغرافيا السورية.

من منظور التحليل السياسي، يعكس الترحيب الكوردي إدراكًا بأن الاتفاق يمنح «قسد» هامشًا أوسع من الاعتراف الضمني، ويعزز موقعها كفاعل محلي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية. كما يوفر لها مظلة أمنية وسياسية في بيئة إقليمية مضطربة، ويخفف من الضغوط الدولية التي وضعتها لسنوات في موقع هش بين واشنطن وأنقرة ودمشق. في المقابل، يستند الامتعاض العربي إلى مخاوف من إعادة إنتاج اختلالات سابقة، أو منح طرف واحد قدرة أكبر على التأثير في إدارة المناطق المختلطة، إضافة إلى القلق من أن يؤدي التقارب مع دمشق إلى تراجع الهامش المحلي الذي اكتسبته المجتمعات العربية خلال سنوات الصراع. ويبرز هنا الدور المحوري للمجتمع العشائري العربي، الذي يشكّل عنصرًا أساسيًا في البنية الاجتماعية والسياسية للمنطقة. فالعشائر، التي لعبت دورًا مهمًا في ضبط الأمن المحلي وإدارة الموارد، تنظر إلى الاتفاق بقدر من الريبة خشية تهميش دورها أو إعادة إدماجها في منظومة مركزية لا تراعي خصوصيتها.

أما دمشق، فهي ليست طرفًا متلقيًا للاتفاق، بل لاعب يمتلك حسابات دقيقة تتعلق بالسيادة وإعادة بسط النفوذ على مناطق واسعة خرجت عن سيطرتها منذ سنوات. وترى دمشق في الاتفاق فرصة لاستعادة حضورها الإداري والأمني في مناطق غنية بالموارد، خصوصًا النفط والقمح والمياه، وهي موارد تكتسب أهمية مضاعفة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة. كما تنظر دمشق إلى الاتفاق كأداة لتقليص هامش الحركة الأمريكية في شرق الفرات، وإعادة إدماج قسد ضمن إطار الدولة السورية، ولو تدريجيًا، بما يضمن لها استعادة السيطرة دون الدخول في مواجهة مباشرة.

ويمثّل الوجود الأمريكي عاملًا حاسمًا في تحديد مسار الاتفاق. فواشنطن، التي تعتمد على «قسد» كشريك رئيسي في محاربة الإرهاب، تتعامل بحذر مع أي تقارب بين «قسد» ودمشق، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن استمرار الوضع الراهن غير قابل للاستدامة. لذلك قد تتجه الولايات المتحدة إلى احتواء الاتفاق بدل مواجهته، طالما لا يؤدي إلى توسع نفوذ دمشق أو إيران بما يهدد مصالحها. هذا التوازن يجعل واشنطن لاعبًا مؤثرًا في مستقبل الاتفاق، سواء عبر الدعم أو الضغط أو إعادة رسم خطوط التماس السياسية.

أما تركيا، التي أبدت دعمًا غير معلن للاتفاق، فتنظر إليه بوصفه فرصة لإضعاف النفوذ الأمريكي في غرب كوردستان (المناطق الكوردية في سوريا)، وتقليص اعتماد قسد على واشنطن، بما ينسجم مع مشروعها الإقليمي الهادف إلى منع تشكّل كيان كوردي بإدارة مقربة من إقليم كوردستان، وتذويب القضية الكوردية في سوريا ضمن ترتيبات أمنية وسياسية أوسع تجعل منها ملحقًا بمشروعها لحل القضية الكوردية في تركيا. كما ترى أنقرة في الاتفاق مدخلًا محتملًا لترسيخ التنسيق الأمني مع دمشق، وهو مسار تسعى إليه منذ سنوات لتحقيق مكاسب تتعلق بملف اللاجئين وترتيبات الحدود.

وفي موازاة ذلك، يبرز الموقف الروسي بوصفه عنصرًا حاسمًا في فهم البيئة التي سبقَت دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، ولا سيما بعد انسحاب القوات الروسية من مطار القامشلي في أواخر يناير 2026. فعلى الرغم من غياب إعلان رسمي يوضح خلفيات هذا الانسحاب، إلا أن قراءة السياق السياسي والعسكري تشير إلى أنه جاء في إطار إعادة تموضع محسوبة أكثر منه تراجعًا عن النفوذ. فقد سعت موسكو إلى تجنّب الاحتكاك المتزايد مع القوات الأمريكية في الحسكة والقامشلي، في لحظة تحاول فيها روسيا الحدّ من أي توترات جانبية خارج مسرح أوكرانيا. كما رأت موسكو أن تخفيف حضورها العسكري المباشر في القامشلي يتيح هامشًا أوسع للتفاهم بين دمشق وقسد دون أن يبدو الاتفاق وكأنه يُفرض بغطاء روسي، وهو ما ينسجم مع رغبتها في دفع الطرفين نحو ترتيبات سياسية مستقرة تخدم مصالحها دون انخراط ميداني مكلف.

كذلك حمل الانسحاب رسالة غير مباشرة إلى أنقرة مفادها أن موسكو لا تعارض ترتيبات جديدة شرق الفرات، لكنها في الوقت ذاته لا تمنح تركيا تفويضًا مفتوحًا للتحرك العسكري. وإلى جانب ذلك، جاء الانسحاب كجزء من عملية أوسع لإعادة توزيع الموارد العسكرية الروسية، مع الإبقاء على القدرة السياسية لموسكو على التأثير في مسار الاتفاق. وبهذا المعنى، شكّل الانسحاب خطوة تكتيكية تهدف إلى تقليل الاحتكاك مع واشنطن، وتسهيل مسار التفاهم بين دمشق وقسد، والحفاظ على موقع روسيا كضامن غير مباشر دون الحاجة إلى وجود عسكري كثيف في المنطقة.

وفي هذا السياق، برز الدور الأساسي لقيادة إقليم كوردستان، وعلى رأسها الرئيس مسعود بارزاني، بوصفه عاملًا مؤثرًا في تهيئة البيئة السياسية التي سمحت بإنضاج الاتفاق. فقد لعبت أربيل دور الوسيط الهادئ بين الأطراف الكوردية السورية وضمان الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي في غرب كوردستان (المناطق الكوردية في سوريا)، وسعت إلى تخفيف التوترات الداخلية، ودعمت توجهًا براغماتيًا لدى قسد يقوم على الانفتاح على دمشق لتجنب سيناريوهات التصعيد التركي أو الانسحاب الأمريكي المفاجئ.

يستند اهتمام الرئيس بارزاني بهذا المسار إلى ثلاث اعتبارات رئيسية: أولًا، منع انهيار الاستقرار النسبي في غرب كوردستان بما ينعكس سلبًا على أمن إقليم كوردستان نفسه. ثانيًا، الحفاظ على وحدة الصف الكوردي ومنع تفكك القوى الكوردية السورية في لحظة إقليمية حساسة. ثالثًا، تعزيز دور أربيل كفاعل إقليمي قادر على التأثير في مستقبل القضية الكوردية في سوريا، دون الدخول في صدام مباشر مع أنقرة أو واشنطن أو دمشق. وبذلك، شكّل دعم بارزاني أحد العوامل التي ساعدت على دفع قسد نحو خيار التفاهم بدل المواجهة وإبعاد المنطقة عن شبح صراع كوردي /عربي مدمر، وعلى خلق بيئة سياسية أكثر قابلية للتفاوض.

أما العامل الإسرائيلي، فيبرز بوصفه عنصرًا غير مباشر لكنه شديد التأثير في معادلة ما بعد 2 فبراير. فإسرائيل تراقب أي تقارب بين قسد ودمشق من زاويتين أساسيتين: الأولى تتعلق بميزان القوى في المنطقة، والثانية ترتبط بالوجود الأمريكي شرق الفرات كاملاً، الذي ترى فيه إسرائيل ضمانة استراتيجية لكبح التمدد الإيراني في سوريا. ومدى استجابة حكومة دمشق الانتقالية لبنود اتفاقية باريس ومن هذا المنطلق، تميل إسرائيل إلى دعم بقاء قسد ضمن معادلة مستقلة نسبيًا عن دمشق. كما أن إسرائيل تنظر إلى استقرار شرق الفرات بوصفه عاملًا يحدّ من قدرة إيران على استخدام الأراضي السورية كعمق لوجستي أو منصة تهديد، ما يجعلها لاعبًا غير معلن في توجيه بعض المواقف الأمريكية تجاه الاتفاق.

تدخل سوريا بعد 2 فبراير مرحلة جديدة تتسم بإعادة رسم خرائط النفوذ، وتزايد دور الفاعلين المحليين، وتبدّل أولويات القوى الإقليمية. فالاتفاق لا يمثل نهاية مسار، بل بداية اختبار لمدى قدرة دمشق على التعامل مع ترتيبات لا تقوم على المركزية المطلقة، ولقدرة قسد على إدارة توازناتها الداخلية والخارجية دون خسارة شرعيتها المحلية. كما سيظل الاتفاق محكومًا بتفاعل القوى الدولية، خصوصًا الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل، التي تمتلك كل منها أدوات تأثير مباشرة وغير مباشرة في مسار العلاقة بين الطرفين.

وبالنظر إلى المعطيات الحالية، تكون سوريا أمام ثلاثة مسارات رئيسية: إما أن تنجح دمشق وقسد في بناء صيغة مشتركة لإدارة المنطقة، تقوم على تقاسم الصلاحيات وتثبيت شكل من اللامركزية غير المحددة، بما قد يشكّل مدخلًا لاستقرار نسبي؛ أو تؤدي الضغوط التركية والتحركات الأمريكية والإسرائيلية إلى إضعاف الاتفاق، ما يعيد إنتاج الصراع بين الأطراف المحلية، ويؤدي إلى اضطرابات أمنية في المناطق المختلطة، ويفتح الباب أمام تدخلات إقليمية جديدة؛ أو أن يكون هناك تجميد طويل، حيث يبقى الاتفاق قائمًا شكليًا دون تنفيذ فعلي، وتستمر كل جهة في إدارة مناطقها، مع بقاء خطوط التماس السياسية والعسكرية على حالها، وهو الاحتمال الأكثر انسجامًا مع نمط إدارة الصراع في سوريا خلال السنوات الماضية.

في المحصلة، تدخل سوريا بعد الثاني من فبراير مرحلة تتسم بإعادة تشكّل موازين القوى وتبدّل أولويات الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين. ويكشف الاتفاق بين قسد ودمشق عن لحظة سياسية دقيقة تحمل في طياتها فرصًا حقيقية لإعادة إنتاج الاستقرار، لكنها في الوقت ذاته تنطوي على مخاطر قد تعيد البلاد إلى دوائر الصراع إذا لم تُدار بحكمة. فمن جهة، يتيح الاتفاق إمكانية بلورة ترتيبات لامركزية أكثر مرونة، وتخفيف احتمالات المواجهة العسكرية، وتعزيز دور المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها، فضلًا عن فتح الباب أمام حوار كوردي–كوردي أكثر تماسكًا بدعم من إقليم كوردستان، وتوفير بيئة قد تحدّ من التوترات الإقليمية، ولا سيما فيما يتعلق بالموقف التركي والوجود الأمريكي.

ومن جهة أخرى، يواجه الاتفاق تحديات جدية تتمثل في احتمال سعي دمشق لاستعادة مركزية السلطة على حساب التفاهمات المحلية، وما قد يرافق ذلك من توترات عربية–كوردية في المناطق المختلطة، إضافة إلى إمكانية استغلال تركيا لأي ثغرة لإعادة فرض نفوذها، أو تراجع الدعم الأمريكي لقسد إذا اعتُبر الاتفاق مهددًا لمصالح واشنطن. كما يبقى خطر الانقسام الداخلي داخل قسد قائمًا، إلى جانب احتمال بقاء الاتفاق في حالة تجميد طويل دون تنفيذ فعلي، بما يفتح المجال أمام فراغات أمنية وتدخلات خارجية جديدة.

وعليه، تبدو الحاجة ملحّة لوضع آليات واضحة لتقاسم الصلاحيات بين دمشق وقسد، وإشراك المجتمعات المحلية والعشائر في أي ترتيبات جديدة، وتعزيز قنوات الحوار الكوردي–الكوردي، والحفاظ على توازن دقيق في العلاقة مع الولايات المتحدة وتركيا، بما يمنع التصعيد ويضمن استمرارية التفاهمات. ومع ذلك، تبقى أسئلة جوهرية مفتوحة ستحدد مستقبل الاتفاق: هل ستقبل دمشق فعلًا بصيغة لامركزية قابلة للاستمرار؟ وهل تستطيع قسد الحفاظ على توازنها بين القوى الإقليمية والدولية دون خسارة شرعيتها المحلية؟ وهل يشكّل الاتفاق خطوة أولى نحو تسوية أوسع، أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع طويل؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان الثاني من فبراير يمثل بداية مسار جديد نحو الاستقرار، أم محطة أخرى في مسار إعادة إنتاج الصراع، في مشهد لا يزال محكومًا بتعقيدات الهوية والمصالح وتوازنات القوى.

قد يعجبك ايضا