رجل الخير

إبراهيم خليل إبراهيم
( عضو اتحاد الكتاب )

سجلات التاريخ زاخرة بالنماذج المشرفة ومازالت مآثرهم ومعالم وبصماتهم الإنسانية بيننا برغم رحيلهم إلى الدار وفي هذا الصدد نتوقف مع سمعان صيدناوي ففي الخامس من شهر مايو عام 1941 افتتح الملك فاروق الأول المستشفى الذي بناه سمعان في موقع كانت تشغله سابقًا سراي يعقوب باشا أرتين ثم تحوّل بعد وفاته عام 1919 إلى فندق للمسافرين قبل أن يُهدم لاحقًا ومع رحيل سمعان صيدناوي عام 1936 تولّى أبناؤه استكمال حلم والدهم فشيدوا المستشفى تخليدًا لذكراه بدافع إنساني خالص يهدف إلى تخفيف آلام المرضى من الفقراء والمحتاجين .

بدأت القصة الحقيقية لسمعان صيدناوي في أواخر القرن التاسع عشر فهو شاب سوري ينتمي إلى طائفة الروم الكاثوليك وامتلك موهبة فطرية في التجارة وقادته ظروف اجتماعية وعاطفية معقدة إلى جانب اضطرابات الشام آنذاك إلى الهجرة نحو مصر عام 1870 بعد أن فاز بمبلغ مالي من اليانصيب فقرر والده إرساله ليبدأ حياة جديدة في القاهرة التي كانت في ذلك الوقت أوروبا الشرق وعاصمة للموضة والفن والتجارة. التحق سمعان بأحد متاجر الحمزاوي ثم قرر لاحقًا أن يشق طريقه الخاص فاشترى محلًا صغيرًا لبيع الخردوات والملابس واستدعى شقيقه الأصغر سليم صيدناوي وكان يعمل ترزيًا ليشاركه الحلم .
حمل المحل اسم سليم وسمعان صيدناوي نسبة إلى بلدتهما السورية صيدنايا وفي عام 1913 انتقل النشاط التجاري إلى ميدان الخازندار بالموسكي حيث شُيّد أول مقر رئيسي لشركة صيدناوي في مبنى اعتُبر وقتها تحفة معمارية صممه المهندس الفرنسي جورج بارك، مستلهمًا تصميمه من متاجر جاليري لافاييت في باريس العاصمة الفرنسية ٠
تكوّن المبنى من أربعة طوابق تعلوه قبة زجاجية مبهرة وامتدت أنشطة الشركة لتشمل الملابس الأقمشة والمفروشات والموبيليا وبمرور الوقت وصل عدد فروع صيدناوي إلى نحو 70 فرعًا في أنحاء مصر إضافة إلى 65 مخزنًا مع تأسيس شركة شحن خاصة لها مقار بين باريس ومانشستر .
لم يكن سمعان صيدناوي مجرد رجل أعمال ناجح بل نموذجًا نادرًا للإنسان صاحب اليد البيضاء فقد كان يتبرع سنويًا لمساعدة غير القادرين على الزواج كما خصص 5% من أرباح الشركة سنويًا توزّع على الفقراء باعتبارها زكاة دون تفرقة بين مسلم أو مسيحي أو يهودي وفي حياته دعم الجمعيات الخيرية والعائلات المحتاجة
ثم جاء المستشفى ليجسد هذه الروح الإنسانية حيث بُني في هيئة قصر فخم وبلغت تكلفة إنشائه 43 ألف جنيه مصري، رغم أنه لا يضم سوى 42 سريرًا أي أن تكلفة السرير الواحد تجاوزت ألف جنيه وهو رقم ضخم بمقاييس ذلك الزمن وجُلب أساس المستشفى من سويسرا وصُنعت تجهيزاته في بولونيا وزُوّده بأجهزة تكييف هواء ووسائل طبية حديثة جعلته واحدًا من أكثر المستشفيات تطورًا في مصر آنذاك وبعد اكتماله سلّمت عائلة صيدناوي المستشفى إلى جمعية الهلال الأحمر وتقديرًا لهذا العمل الإنساني أنعم الملك فاروق على يوسف سمعان صيدناوي بلقب الباشوية وعلى إلياس صيدناوي بلقب البكوية .
استمرت إمبراطورية صيدناوي في الازدهار حتى بلغت ذروتها خلال الحرب العالمية الثانية قبل أن تتوقف فجأة عام 1961 مع قرارات التأميم التي شملت أكثر من 700 مؤسسة خاصة من بينها شركة صيدناوي .
غادر أفراد العائلة مصر تباعًا لكن الاسم لم يغادر الذاكرة وظل مبنى صيدناوي الأول بالخازندار معلمًا تاريخيًا وبقيت السيرة الإنسانية حاضرة حتى اليوم ٠
أكدت حفيدة العائلة إلسا صيدناوي ارتباطها بمصر حيث أسست مؤسسة خيرية في الأقصر لرعاية الأطفال .
تحية إلى روح سمعان صيدناوي فلم يكن مجرد اسما على واجهة متجر بل قصة كفاح وأمانة وعطاء وإنسانية ٠

قد يعجبك ايضا