هبة عبد الحافظ المطيري
في بلاد الطين والمياه، حيث تتشابك أنهار الفرات ودجلة وتتنفس المدن القديمة أساطيرها الصامتة، وُلد مانيشتوشو، ابن سرجون، الأخ الذي ظل في الظل، والأب الذي لم يعرفه التاريخ كثيراً..
لم يصرخ في ذاكرة العالم كما فعل أبوه، ولم يتحول إلى أسطورة مثل نجمه نارام سين، لكنه كان الجسر الصامت بين عملاقين، الملك الذي يحافظ على الإمبراطورية بين النار والهدوء.
جلس على العرش في زمن كانت فيه المدن تترنح بين الفتوحات والاضطرابات، فمد نفوذه إلى مياه الخليج حيث تحالف اثنان وثلاثون ملكاً لمحاولة إيقافه.
عبر البحر وعاد بالغنائم والقصص، ليس كبطل يكتب له الشعراء الأغاني، بل كمن يزرع الأمن في قلب الإمبراطورية ويثبتها على صخور التاريخ.
لم ينسَ الآلهة، فأعاد بناء المعابد وحافظ على توازن الأرض والسماء، لأنه عرف أن الملك ليس السيف وحده، بل اليد التي تربط البشر بالسماء، والحارس الذي يمنع إمبراطورية كاملة من الانهيار.
وحكمه، رغم أهميته، لم يكتب في الأغاني الكبرى، لأنه لم يكن متوهجاً أو متجسداً كالآلهة، لكنه كان النهر الهادئ بين عملاقين، الملك الذي يحافظ على الجسر، ويمنح الإمبراطورية فرصة أن تزدهر بدون أن تحترق.
وفي النهاية، كما يحدث غالباً في بلاد الرافدين، انتهت حياته بين جدران القصر بهدوء قاتل، ليس بمجد أسطوري، لكن اسمه بقي محفوراً على الطين والحجر، شاهدًا على ملك عاش بين الظل والنور، بين الماضي والمستقبل، بين كل شيء لا يراه التاريخ، لكنه لا يستطيع أن ينساه.