طالب كاظم محمد
الظاهرة التي باتت اعتيادا لا يلفت الانتباه باستثناء انها اتسعت و تصدرت الدراسات الاكاديمية ، أن ينال احدهم درجة علمية في تجربة شعرية لم تصنع اثرا او فارقا بريادتها او بالتجديد الذي تحدثه او باختلافها عن عشرات بل مئات التجارب الشعرية التي نراها في المناسبات والمهرجانات. لكي نفهم ذلك يفترض بنا ان نخضع هذه الظاهرة للدراسة لكي نفهم الاسباب التي ادت الى تناول الشعر كعنوان مفضل للدراسات الاكاديمية وتحديدا لنيل شهادة الماجستير، وهو الامر الذي يتطلب تداخلا معرفيا لكشف سر هذا اللجوء. ولكن بنظرة غير معمقة سنفهم باننا إزاء عملية تفريغ للمحتوى، حيث تتحول تلك الدراسات إلى عملية صنع وهم أدبي، فالطالب يختار الشعر لأنه مادة سهلة طيعة التشكيل لم تُستهلك، والنتيجة ستكون حشوا يثقل المكتبات الجامعية برسائل تمنح المنجز الذي يفتقد الابداع غطاءً شرعياً. هذا المسلك السائد سيخلق أصناماً ورقية، حين يستخدم الباحث الأكاديمي أدوات نقدية ذات مرجعيات وعنوانات مثيرة ( بنيوية، سيميائية، تفكيكية..الخ) ليطبقها على نصوص شعرية “عادية “، وبفضل هذا المشرط الأكاديمي سينال الشعر موضوع الدراسة حظوة كبيرة كونه كان موضوعا لرسالة. الا إن الحقيقة غير ذلك تماما اذا ما عرفنا ان هناك ثمة مصلحة متبادلة بين باحث يبحث عن أسهل الطرق لنيل اللقب، وأستاذ يضيف بحثاً اخر لرصيده دون عناء الاشتباك مع نصوص معقدة. والنتيجة ستكون : إنتاج “موظف” يحمل لقباً، لا “باحث” يحمل رؤية. الامر يختلف في الغرب لأننا نجد رسائل عن “هاري بوتر” أو “سيد الخواتم”، لكن الفارق جوهري؛ هناك يدرسون “الظاهرة” (Cultural Phenomenon) وأثرها الاجتماعي والاقتصادي في تشكيل وعي جيل، بينما نتناول تجربة “الشاعر المتواضع” لنثبت عبقريته الموهومة. في الغرب يدرس “الناجح” ليفهم سر تأثيره، ونحن ندرس “غير المؤثر” لنمنحه شرعية لا يستحقها. هناك، إذا لم تقدم الرسالة “إضافة معرفية” تُرفض، أما عندنا فالهدف هو “إتمام المتطلبات” لنيل شهادة جدارية، في خلط واضح للأوراق يجعل المغمور يُدرس بأدوات المتنبي والجواهري. الهروب الجماعي الذي نراه نحو دراسات الشعر ليس صدفة، بل هو نتيجة لعدة أسباب يمكن تحديد معالمها بالاستسهال الوهمي ظناً بأن تحليل القصيدة أيسر من تشريح الرواية أو المسرحية. فالشعر يتيح الاتكاء على “المنهج الانطباعي” والكلمات الإنشائية للتملص من صرامة المنهج اذا ما ذهب الى اجناس أدبية اكثر تعقيدا. وفرة المصادر: مما يسهل عملية “القص واللصق” من آراء النقاد القدامى. الخوف من المتغيرات،فالشعر الوجداني يجنب الباحث الاشتباك مع الواقع والسياسة، بخلاف السرد والمسرح. إنهم يفضلون دراسة تأثير الصدى على دراسة “بنية الوعي” التي تتطلب جهدا فكريا مضاعفا . في مجتمع لا يقرأ ما التأثير الذي ستحدثه قصيدة النثر غي تأصيل مفهوم الاغتراب المزدوج فقصيدة النثر كائن فضائي في بيئة تقدس النمط السائد الذي يطرب للوزن (العمودي) ويستهزئ بالنثر الذي لا يمنحه جرسًا صوتيًا.هنا تصبح قصيدة النثر “نخبوية” واحتجاجاً صامتاً يحاول الشاعر عبرها إثبات وجوده و رسالة يكتبها الشاعر لنفسه كي لا ينسى وجوده. محاولة كشف هذه الظاهرة ستقودنا الى تشظي معرفي يتجذر في بنية المشهد الثقافي، بينما الواقع يتحرك ببطء القرون الوسطى. في مجتمع مغلق وجمهور يقدس النموذج الموروث الذي يمنحه الثبات المعرفي، ويرى في التجديد “هرطقة لغوية”. تصبح الريادة المعاصرة انتحارا، التجارب السابقة اثبتت بما لا يقبل الشك، ان الرواد نجحوا في تثوير “شكل” القصيدة، لكنهم فشلوا في تثوير “عقل” المتلقي، فظلت الريادة ملكية خاصة لنخبة تقرأ لبعضها البعض. ما جدوى أن يكتب الشاعر لشاعر يشبهه؟ حيث يتبادلون الإعجاب داخل مرآة واحدة لتأكيد وجودهم. بينما يغيب عنصر الصدمة وتفقد القصيدة وظيفتها كأداة لاختراق وعي الآخر. القصيدة هنا تلجأ الى استبدال تأثيرها الوجودي بـ اللقب الثقافي ، وكأنهم يتحدثون لغة إشارة في مدينة لا لا تبصر شيئا . لمن كل هذا الشعر؟ إذا كان المجتمع لا يقرأ، والنخبة تكتب لنفسها، والأكاديميات تحنط النصوص في دراسات تهمل ما ان ترص على رفوف المكتبات الجامعية ؟ كل هذا الشعر الفائض هو “هواء زائد” في بالون مثقوب. فالشعر الذي لا يستطيع أن يتحول إلى وجع حقيقي يلمس حياة الناس، سيبقى مجرد ضجيج لغوي لا يلفت الانتباه.