محسن دزه ايي
تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).
يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

الجزء السابع والعشرون
كان من غريب الصدف أن يكون ضابط الشرطة ابراهيم الطائي الذي أشرت اليه سابقآ في الجزء الأول من هنا الكتاب، معاونأ لمديرالشرطة فى كويسنجق، ومسؤولأ عن الشرطة وأفرادها فى ذلك القضاء، جاء فى أحد الأيام على استحياء للسلام علي وعيونه تطلب الغفران والمساعدة وانقاذه من المأزق الذى هو فيه، فرحبت به وجاملته كثيرأ وطيبت من خاطره، لئلا يحس بأي شعور غير ودي تجاهه، كان مركز الشرطة تحت رحمة البيشمركه، ولم يكن فيه الا فصيل واحد من الشرطة وجميع أفراده من الكورد ،بحيث يكون السيطرة عليه خلال دقائق ودون مقاومة.
“ذكرت سابقأ بأنه بعد أن اذاع راديو بغداد وأجهزة الاعلام الحكومية الاخرى البيان المشؤوم والشهير الصادرعما كان يسمى بـ(المجلس الوطني لقيادة الثورة) في مساء اليوم التاسع من حزيران سنة 1963 ،أصبح من الواضح أن ذلك كان بمثابة اعلان حرب جديدة على الشعب الكوردي، وكان غرض النظام الجديد الذي استولى على الحكم في انقلاب 8شباط 1963 من الاعلان عن رغبته في حل القضية االكوردية بالطرق السلمية، التسويف والمماطلة وكـسب الوقت لأستعداده وتنظيم صفوفه والتهيؤ لشن هذه الحملة الشعواء التى كانت مخططة لها اساسأ وحتى قبل الانقلاب”
أخد الموقف في التأزم كثيرأ وأصبح القتال وشـيكأ والهجوم العسكري للنظام بات أمرا محتومأ وفي أية لحظة، وبدأ أهالي كويسنجق بمغادرتها تدريجياً والتوجه الى رانية وقلعه دزه، أو الى القرى الواقعة خارج المدينة ويصعب وصول الجيش اليها.
كنت أتنقل خلال هذه الفترة أى منذ وصولي كويـسنجق ولحين نشوب القـتال، بين دار كاكه زياد ودار نجله محمود آغا وكذلك كنت اتبادل الزيارات مع بعض الاصدقاء والاقارب ممن لم يغادروا المدينة بعد، ولما كانت لعـائلتنا بعض الاصدقاء وأقارب كثيرون في كويسنجق وكما كانت والدتي ترتبط بصلة قربى بعوائل كثيرة هناك، لذا لم أكن غريبأ عنها بل كأنني من أحد ابنائها، فكنت موضع تقدير وأحترام كبيرين عند الجميع، وكانت لي مكانة خاصة عند الكثيرين بسبب وضعنا العائلي ومركزنا الاجتماعي وخاصة لتمتع شقيقي كاك احمد بأحترام كبير في مجتمع تلك المدينة، وكذلك بسبب هذه الظروف الصعبة التي اوقعنا فيها الدهر وهم يعرفون سابقأ نمط حياتنا المرفهة، كما وكنت أيضأ موضع ترحيب خاص من قبل الوطنيين والحزبيين وكل من له علاقة بالثورة، لأختياري هذا الطريق والتضحية بمصالحنا وأوضاعنا.
وهكذا اقتربت ساعة الصفر لحظة بعد الأخرى والكل ينتظر ذلـك بالقلق، ويكشف النظام الجديد عن وجهه الحقيقي ونياته السيئة تجاه الشعب الكوردي.
نشوب القتال
فى مساء التاسع من شهر حزيران من العام 1963 وفى الساعة العشرين (أي الثامنة مساء) أذيع من راديو بغداد البيان المشؤوم لما كان يسمى بـ(المجلس الوطنى لقـيـادة الثورة) وكان عبارة عن لهجة الاستـخفاف بالثورة وقيادتها وفيها الغرور والعجرفة والادعاء الكاذب، وينذر البيـان الشـعب الكوردي وقـيادة الثورة التى سماها بـ(المتمردين) بالقاء السلاح والاستـسلام وان الجيش سوف يذهب في( نزهة) الى كوردستان ويقضي على هذا التمرد حسب قول البيان، ودلت صيغة البيان على الحقد الدفين ضد الشعب الكوردي وعلى عنصرية النظام الجديد.
باشر النظام بالعمليات العسكرية في فجر العاشر من شهر حزيران، أي بعد بضع ساعات فقط من أعلانه البيان المشؤوم، وهكذا بدأ القتال في جميع أنحاء كوردستان وأضطرت قيادة الثورة الكوردية الى الدفاع عن وجود الشعب الكوردي، في القتال الذي فرض عليه وضد أشرس حملة منذ قيام الثورة الكوردية، وهكذا بدأت مرحلة جديدة من حياتي بأنضمامي اليها وبقائي في صفوفها وصفوف الحزب وقيادتهما ولحد الآن.
ذكرت سابقأ بأنه بعد أن اذاع راديو بغداد وأجهزة الاعلام الحكومية الاخرى البيان المشؤوم والشهير الصادرعما كان يسمى بـ(المجلس الوطني لقيادة الثورة) في مساء اليوم التاسع من حزيران سنة 1963 ،أصبح من الواضح أن ذلك كان بمثابة اعلان حرب جديدة على الشعب الكوردي، وكان غرض النظام الجديد الذي استولى على الحكم في انقلاب 8شباط 1963 من الاعلان عن رغبته في حل القضية االكوردية بالطرق السلمية، التسويف والمماطلة وكـسب الوقت لأستعداده وتنظيم صفوفه والتهيؤ لشن هذه الحملة الشعواء التى كانت مخططة لها اساسأ وحتى قبل الانقلاب، وجميع المحاولات والجهود التى بذلتها قيادة الثورة االكوردية لأيجاد حل سلمي عادل اخفقت ، ولم يكن الأشهر القليلة من الهدنة الا لذر الرماد في العيون ولحاجة النظام لذلك.
ومع انني لم أكن مطلعأ على الأمور آنذاك، ولكن من المؤكد بأن قـيـادة الثورة الكوردية وخاصة شخص البارزاني، لم يكن يثق بوعود النظام والسلطة الجديدة وكان يعلم حق العلم بأن ذلك النظام ليس ممن يؤمن بالـحقـوق القومية للشعب الكوردي، ولكن توجهات البارزاني السلمية ورغبته فى مـسـايرة العروض السلمية والترحيب بها مهما كان مصدرها، جعلت قيادة الحزب الثورة االكوردية تستقبل هذه العروض بالترحاب.

بعد صدور هذا البيان وردت برقية من البارزاني كقائد عام للثـورة الكوردية يأمر فيها جميع قوات الانصار بالدفاع عن مواقعها ومواجهة هذه الحملة الشرسة. فبالنسبة لتواجدي فى منطقة كويسنجق وجدت بأنه قد تم توزيع القوات المدافعة وخاصة في الطريق القادم من أربيل الى المدينة.
ففي فجر العاشر من شهر حزيران سنة 1963 نهضنا مبكرين جدأ – وكان بالنسبة لي هي المرة الأولى منذ سنوات – وتجمعت قـوات الأنصار الموجودة في كويسنجق وكذلك الكوادر الحزبية في مقر اللجنة المحلية للحزب، وحضر عمر دبابه عضو المكتب السياسي والمسؤول عن تلك المنطقة ومعه بضعة بيشمركه مسلحين ، فأنضممت الى هذه القوات مع مضيفي محمود كاكه زياد وخرجنا من المدينة سيراً على الاقدام، متجهين نحو منطقة جبلية فى ضـواحي المدينة وتقع فى الجانب الغربي منها تجنباً للغارات الجوية عندما أخذت الطائرات تحوم فوق المدينة وتقصف مع بزوغ النهار ضواحيها، وخاصة طريق اربيل- كويسنجق، اما بالنسبة للبيشمركه الآخرين فقد وصلتهم الأوامر في الليلة السابقة وأخذوا الأستعدادات اللازمة في مواقعهم على ذلك الطريق، وباشرت قـوات الجيش بالتحرك من أربيل متجهة نحو كـويسنجق في الصباح الباكر من ذلك اليوم، ودارت معارك حامية على طول الطريق غـيـر اﻟمبلط والذي يبلغ طوله سبعـون كيلومتراً، وبعد يومين أو ثلاثة كانت معارك طاحنة تدور رحاها في ( دربند كومه سبان) وثم في (ديكه له ) العاصيتين نسبيأ، وأستمرالقتال لمدة أثنا عشر يوماً تكبد الجيش خلالها خسائر فادحة على الرغم من عدم تكافؤ قوات الطرفين، بل كان هنالك فرقأ كبير جداً بين الطرفين المتحاربين من ناحية العدد والعدة.
“اثناء تجوال أحدى مفارز الجيش في احدى القرى القريبة من كويسنجق وجدوا فيه المرحوم عبد الرحمن الحاج أسعد مع عائلته وأولاده، وكان هو من الشخصيات المعروفة في كويسنجق وكان من الأثرياء سابقأ، الا أن وضعه الاقتصادي قد ساء في السنوات الاخيرة التى سبقت غزو كـويسنجق، وكان المذكور بديناً جدأ ويجد مشقة كبيرة فى السير والحركة، وفور وصول تلك المفرزة القرية التي التجأ اليها عبدالرحمن الحاج أسعد أقتادوه قسراً نحو كويسنجق، ولما كان يصعب عليه السير اراد ابنه الشاب الذي لم يـكن يبلغ العشرين من عمره مساعدته، فما كانت من المفرزة الا ان تقوم بأطلاق النار عليهما كليهما واردتهما قتيلين، وتركت جثتيهما امام انظار بقية افراد عائلتهما”
وكنت على درجة كبيرة من الحماس والاندفاع وعلى استعداد كامل للمشاركة في هذه المعارك، وكان يعزعلي أن نبقى بعيدين عن ساحة القتـال وعن الجبهة ونتفرج من بعيد، وكانت لي رغبة شديدة في ان أكون في ميدان المعارك، وبعد تداول الأمر مع المسؤولين والقادة الموجودين من أمثال عمر دبابه والضابط الكوردي المخضرم بكرعبدالكريم الملقب بـ(الرئيس بكر)، والذي كان من أوائل الضباط الملتحقين بثورة أيلول، وكذلك من الذين شاركوا في ثورة بارزان سنة 1945 ،ومن الذين رافقوا البارزاني الى جمهورية كوردستـان فى مهاباد ودافعوا عنها، بعد المداولة مع هؤلاء تقرر الذهاب جميعأ الى منطقة قريبة جداً من ساحة المعركة ومشرفة عليها، بحيث يمكن منها مشاهدة القتال بالعين المجردة وكان من السهل في تلك المنطقة الاتصال بقواتنا وأصدار التعليمات لها، وتزويدها بحاجتها من العتاد والذخيرة واحتياجاتها الاخرى من المؤن.
كنا نعود مساء كل يوم وعند غروب الشمس بعد أن يهدأ ميدان القتال لأن الجيش العراقي قلماً كان يتحرك ليلأ في ذلك الوقت، وقلما كانت الطائرات تقوم بأى نشاط ليلى، لعدم توفر أجهزة الطيران الليلية لديها، ولأن الجيش كان يخشى الكمائن ليـلأ . وكنت أعود مع مضـيفي محمود آغا كاكه زياد للأقامة فى داره التي غادرتها عائلته وأطفاله الى منطقة رانية وكنا نقوم بخدمة انفسنا وتهيئة الطعام لسد رمقنا.
لم يكن لدى البيشمركه غير البنادق وعدد قليل من الأنواع القديمة من الرشاشات ومع ذلك فقد قاوموا مقاومة الأبطال، وكانت طبيعة الأراضي في كوردستان وجغرافيتها خير حامٍ لهذه القوات التى لم تكن تملك المضادات الجوية ولا الأسلحة المضادة للدروع.
أما وضع مركز الشرطة التي كان يرأسها الضابط ابراهيـم الطائي كـمـا ذكرت، فقد استسلم في اليوم الأول، وبعد صدور البيان المشـؤوم مباشرة ودون مقاومة وبدون اطلاق عيارة نارية واحدة من أي من الطرفين، وسلم الطائي كافة الأسلحة والأعتدة المتوفرة في المركز وأجهزة الأرسال وكافة اﻟموجودات الأخرى، وانضم جميع افراد فصيل الشرطة، وكان بلغ عددهم حوالي ثلاثين شرطيأ الى صفوف الپيشمركه فكانوا جميعأ من الكورد، وأذكر أن أحدهم كان من اخوتنا المسيحيين واسمه (توما) على ما أعتقد، قال بأنه لايستطيع أن يحمل سلاحأ ولكنه يصلح أن يكون طاهيأ جيدأ لقوات البيشمركه، اما الضابط ابراهيم الطائي فقد اعتبر أسير حرب وعومل معاملة خاصة وودية، وكان يـتجول طليقا في المدينة لعدة أيام، وبعد ذلك تم تسفيره بعيدا الى قصبة ماوه ت في محافظة السليمانية، وذلك بسبب تعرض المدينة للقصف الجوي وحرصأ على سلامته، وكان معسكر الأسرى والمعتقلين فى ماوه ت.
قلت بأنه بعد مضي أكثر من عشرة أيام وبعد أن تكبد الجيش خسائر كـبيرة في صفوفه تمكن من الاقتراب من المدينة، وفى مساء اليوم الثـاني والعشرين من شهر حزيران وصلت تلك القوات الغازية الى مشارف كويسنجق وعسكرت عند تلة ( كردجادر) التى تبعد حوالى خمسة كيلومترات عن المدينة، أما البيشمركه المقاتلون فقد انسحبوا الى جبل هيبت سلطان وأخذوا مواضعهم هناك كخط دفاعي جديد.
كان أهالي المدينة قد اخلوها منذ بداية الحرب ولم يبق فيها الا المسنون وبعـض الموظفين ،والذين تدعــو ظروف حــــياتهم الى بقائهم في منازلهم ولاتساعدهم ظروفهم المعاشية على مغادرتها، كانت الطائرات تقـصف جمـيع الطرق الخارجة من كويسنجق وخاصة الطريق المؤدي الى رانيـة، فكانت تقصف المارة من المدنيين والعوائل دون تمييز وقد أصيب الكثير من السكان من الشيوخ والنساء والاطفال نتيجة ذلك. وحتى أن بعض سائقي سيارات الأجرة قد اصيبوا بجراح ايضأ، وكنت أعرف أحدهم وهو حسن حمد جاسم منذ أيام دراستي في كلية الحقوق ببغداد فكان شرطيا سائقأ لدى معاون مدير الشرطة العام لواء الشرطة صالح عبدالوهاب، والذي كان سابقأ مديراً لشرطة اربيل ولنا معرفة به وأذكر بأنني قد أوصيت بمعالجته في أحد مراكز التمريض العائد للثورة الكوردية .
احتلال كويسنجق
وفي فجر الثالث والعشرين من حزيران غادرنا المدينة نحو المقر الخلفي لنا في (سويره له) وهي عبارة عن مضيق جبلي فى النهاية الشرقية من سلسلة جبل هيبت سلطان، والتي تبعد حوال اثنتا عشر كيلومترأ من كويسنجق في شمال شرقها، وكانت الطائرات تحوم فوق رؤوسنا وتقصف المارة ونجونا عدة مرات بأعجوبة، وفي طريقنا كنا نشاهد طلائع القوات الغازية ودباباتها تدخل المدينة، والتي باشرت فور دخولها بالبطش بسكانها الآمنين، وكان يقـودها ضـابط سيء الصيت المقدم الركن طه الشكرجي، وهو ضابط من مدينة الموصل لديه حقد أعمى ضد الكورد، وكان من القـومـيين العنصريين المكروهين حتى من أكثر زملاءه الضباط، وعند دخوله المدينة أمر بالقاء القبض على عدد كبير من المواطنين حتى الذين ذهبوا لأستقبال قواته الغازية، وأختار ستة أفراد منهم بدون تحـديد وبدون السؤال عن اسمائهم أو الاطلاع على هوياتهم وقيدوهم بشدهم الى أعمدة الكهرباء وأعمدة المباني في الشارع العام الرئيس في المدينة، وفتحوا عليهم النار وأعدموهم رميأ بالرصاص امام انظار المتواجدين من سكان المدينة.
وذكرت بأن بعض السكان قد التجأ الى القرى المجاورة وخاصة الجبلية القريبة من كويسنجق والتي لم يكن في الحسبان أن تصل اليها قوات الجيش، واثناء تجوال أحدى مفارز الجيش في احدى القرى القريبة من كويسنجق وجدوا فيه المرحوم عبد الرحمن الحاج أسعد مع عائلته وأولاده، وكان هو من الشخصيات المعروفة في كويسنجق وكان من الأثرياء سابقأ، الا أن وضعه الاقتصادي قد ساء في السنوات الاخيرة التى سبقت غزو كـويسنجق، وكان المذكور بديناً جدأ ويجد مشقة كبيرة فى السير والحركة، وفور وصول تلك المفرزة القرية التي التجأ اليها عبدالرحمن الحاج أسعد أقتادوه قسراً نحو كويسنجق، ولما كان يصعب عليه السير اراد ابنه الشاب الذي لم يـكن يبلغ العشرين من عمره مساعدته، فما كانت من المفرزة الا ان تقوم بأطلاق النار عليهما كليهما واردتهما قتيلين، وتركت جثتيهما امام انظار بقية افراد عائلتهما، وهكذا فأن تصرفات أي جيش احتلال لبلد أجنبي لم ترق لهذا الحد.