أفان جاف: حين تصبح الإنسانية موقفًا لا شعارًا

حسو هورمي

في زمن تتراجع فيه القيم الإنسانية أمام العنف، والصمت، والخطابات المواربة، تبرز تجربة الناشطة والأستاذة الجامعية والإعلامية أفان جاف بوصفها نموذجًا نادرًا لامرأة اختارت المواجهة بدل المساومة، والعمل بدل الاكتفاء بالشعارات. من خلال نشاطها في منظمة (ايما لحقوق الانسان في اقليم كوردستان -العراق)، تقدّم أفان مقاربة عملية وجريئة لقضايا المساواة بين الجنسين، وإعادة التأهيل، وبناء القدرات، والتنمية، واضعة الإنسان في صلب كل فعل ونقاش.

تنطلق أفان جاف من رؤية واضحة لا تحتمل الالتباس: كردستان مسالمة، آمنة، متطورة، وعصرية، ومجتمع يضمن المشاركة الكاملة والمتساوية للمرأة. هذه الرؤية لا تُطرح بوصفها حلمًا طوباويًا، بل مشروعًا سياسيًا–اجتماعيًا يتطلب تفكيك بنى العنف، ومواجهة التمييز الممنهج، وإعادة تعريف دور المرأة بوصفها فاعلًا أساسيًا في صنع القرار وبناء السلام.

تضع أفان في صدارة عملها مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، ليس باعتباره سلوكًا فرديًا معزولًا، بل نتيجة مباشرة لبنى ثقافية وقانونية ما زالت تُقصي النساء وتُطبع العنف ضدهن. كما تعمل بلا تردد على القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتُصرّ على أن العدالة الجندرية ليست مطلبًا نسويًا ضيقًا، بل شرطًا أخلاقيًا لقيام مجتمع سليم وفي مجال تمكين المرأة، ولا سيما النساء النازحات والفئات المهمشة، تتجاوز أفان الخطاب الإنساني التقليدي القائم على الشفقة، لتدافع عن مقاربة قائمة على الحقوق، وبناء القدرات، والاستقلال الاقتصادي والاجتماعي. وهي ترى أن مشاركة المرأة في صنع القرار ليست منحة تُعطى، بل حق يُنتزع، وضمانة حقيقية لسلام مستدام.

أما في ملف إعادة تأهيل الإيزيديين وغيرهم من الناجين من الأقليات من جرائم تنظيم داعش، فتتعامل أفان مع القضية بوصفها اختبارًا أخلاقيًا للمجتمع والدولة معًا. فإعادة التأهيل، في رؤيتها، لا تقتصر على الدعم النفسي والاجتماعي، بل تشمل الاعتراف، والعدالة، وإعادة الكرامة، ودمج الناجين بوصفهم شركاء في المجتمع لا ضحايا دائمين.

ولا تتوقف جهودها عند العمل الميداني، بل تمتد إلى مساءلة السياسات العامة، والدعوة إلى دمج مبادئ الاتفاقيات والقرارات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان وحقوق المرأة في القوانين الوطنية، فضلًا عن إدماج مفاهيم المساواة بين الجنسين في النظام التعليمي، باعتباره ساحة المعركة الحقيقية ضد التمييز. ومن أبرز القضايا التي تطرحها بجرأة ووضوح، القضاء على ختان الإناث في كردستان، بوصفه انتهاكًا صريحًا لا يمكن تبريره بالثقافة أو التقاليد.

وتشارك أفان جاف بفاعلية في المؤتمرات الإقليمية والدولية خارج العراق، حاملةً قضايا المرأة والسلام والعدالة الاجتماعية إلى الفضاء العالمي، ومتحدثةً الكردية بلهجاتها المختلفة، والعربية، إضافة إلى الإنجليزية، ما يمنح خطابها قدرة نادرة على العبور بين المجتمعات والسياقات المختلفة. وفي المجال الإعلامي، تدير قناة توعوية على يوتيوب، ترفع فيها بوضوح يافطة «الإنسانية أولًا»، معتمدة أسلوبًا حواريًا هادئًا لكنه حاسم، قائمًا على الأدلة والحقائق، بعيدًا عن التصنّع اللغوي والخطاب الإنشائي الفارغ.

إن ما يميز تجربة أفان جاف ليس فقط تنوع مساراتها، بل جرأتها في قول ما يجب قوله، حتى عندما يكون مكلفًا. فهي تمثل صوتًا نقديًا لا يهادن العنف، ولا يجمّل التمييز، ولا يساوم على كرامة الإنسان. وفي سياق يعاني من تطبيع الظلم والصمت، يصبح وجود أصوات مثل أفان ضرورة أخلاقية، لا خيارًا إضافيًا.

إن تجربة أفان جاف تؤكد بوضوح: الإنسانية ليست شعارًا يُرفع، بل موقف يُتخذ، ومسؤولية تُمارس، ونضال يومي لا يعرف الحياد.

قد يعجبك ايضا