بون وبرلين تصدران أنطولوجيا أكاديمية للقصيدة العربية في أوروبا: كتاب يؤرشف المنفى ويؤسس لحقلٍ شعري جديد
برلين –التآخي
صدر حديثًا في برلين كتاب ثنائي اللغة بعنوان «بين عذب وأجاج – أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا / Grenzlandschaften» عن EB-Verlag، في عمل يُعدّ الأول من نوعه الذي يُنجز داخل مؤسسة جامعية ألمانية وفق معايير البحث الأكاديمي، بما يمنح القصيدة العربية المكتوبة في المهجر الأوروبي إطارًا توثيقيًا وعلمياً لم يتحقق لها من قبل.
يأتي هذا الإصدار بوصفه خبرًا ثقافياً ذا دلالة تتجاوز مجرد نشر مختارات شعرية؛ إذ يرسّخ الاعتراف بالقصيدة العربية في أوروبا بوصفها ظاهرة أدبية قائمة بذاتها، لها شروط إنتاجها وأسئلتها الجمالية وتجاربها الخاصة، لا امتدادًا عابراً لأدب الداخل. من هنا تتبدّى أهمية الأنطولوجيا باعتبارها خطوة تأسيسية تُخرج هذا المتن من التشتت الفردي إلى فضاء الأرشفة المنهجية، وتضعه أمام القارئ والباحث ضمن سياق قابل للدراسة والتحليل.
يقع الكتاب في نحو 420 صفحة، ويضم نصوص خمسة وخمسين شاعراً وشاعرة يكتبون بالعربية ويقيمون في بلدان أوروبية متعددة. هذا التعدد يمنح العمل طابعًا بانوراميًا، حيث تتجاور تجارب وأساليب ورؤى مختلفة، بينما يجمعها خيطٌ داخلي واحد هو سؤال المنفى، والعيش بين لغتين، ومحاولة إعادة بناء الذات في جغرافيا جديدة.
أنجز المشروع بالتعاون بين شعبة اللغة العربية في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بجامعة Universität Bonn، وبين الديوان – البيت الثقافي في برلين، في شراكة جمعت مترجمين وباحثين وأكاديميين ضمن خطة تحريرية واضحة. وقد أُرفقت النصوص بترجمات ألمانية دقيقة، بما يفتح المجال لوصولها إلى القارئ غير العربي، ويجعلها جزءًا من الحوار الثقافي الأوروبي الأوسع.
قسمت المختارات إلى سبعة محاور موضوعية ترصد التحولات الوجودية التي يعيشها شاعر المنفى: السعادة والنعيم، التعالي، الفاجعة العظمى، الموت والحياة، القدرية، الفناء، الوطن والمنفى. هذا التقسيم يكشف طبيعة الأسئلة التي تهيمن على التجربة: أسئلة الفقد والاقتلاع والهوية والذاكرة، حيث تتحول اللغة إلى ملاذ أخير، ويغدو الشعر وسيلة لمقاومة التبدد.
يضم الكتاب أصواتاً من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر واليمن وليبيا والمغرب والسودان والجزائر وتونس والكويت، يقيمون في المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا والنمسا والسويد والنروج والدانمارك وبلغاريا. ومن سوريا وحدها ستة عشر اسمًا، من بينهم: أحمد اسكندر سليمان، إبراهيم اليوسف، جان دوست، جبران سعد، حسين بن حمزة، زكريا شيخ أحمد، سلام حلوم، عائشة الأرناؤوط، فرج بيرقدار، فواز القادري، محمد المطرود، ميديا شيخة، ميسون شقير، ندى منزلجي، ندى وردا أوراهم، نسرين خوري، وئام فتال. كما يحضر شعراء بارزون من العراق ولبنان وفلسطين ومصر إلى جانب أسماء أخرى من بلدان عربية مختلفة، على الشكل التالي:
من العراق:
فاضل العزاوي، عدنان الصائغ، عبد الكريم كاصد، عبد القادر الجنابي، حكمت الحاج، نسيم الداغستاني، جلال حيدر، فاضل السلطاني، إبراهيم عبد الملك، منعم الفقير، محمد جاسم، فارس مطر.
ومن لبنان:
جوزيه الحلو، ندى حطيط، عيسى مخلوف، سرجون كرم.
ومن فلسطين:
هيام بسيسو، فاتنة الغرّة، سامر أبو هواش، فؤاد ديب.
ومن مصر:
صفاء فتحي، عماد فؤاد، زهرة يسري، أحمد يماني.
إلى جانب أصوات من اليمن وليبيا والمغرب والسودان والجزائر وتونس والكويت.
تولّى عمليّة الإشراف على المشروع إعدادًا وترجمة ونشرًا الأستاذ في قسم الدراسات العربيّة في جامعة بون د. سرجون فايز كرم بمعاونة فريق من خريجي الدراسات العليا في قسم الترجمة والدراسات العربيّة والإسلاميّة في الجامعة، فيما أُشرف على التصنيف الموضوعي والتحرير ضمن رؤية أكاديمية تهدف إلى تسهيل قراءة النصوص ومقاربتها نقدياً. وقد شارك الديوان- البيت الثقافي في برلين في هذا العمل ضمن إطار التعاون الثقافيّ، وأسهم في دعم عملية النشر. أما الإخراج التقني للنص العربي فقد تم إنجازه بعناية لضمان وضوحه ودقته.
تكمن أهمية هذه الأنطولوجيا في كونها تؤسس لأول أرشيف جامع للقصيدة العربية في أوروبا، إذ تنتقل النصوص من حالة الانتشار في الأمسيات والمنصات الفردية إلى كتاب مرجعي يمكن العودة إليه بوصفه وثيقة أدبية لمرحلة تاريخية كاملة من الهجرة العربية. بذلك يغدو الشعر سجلًا للذاكرة الجماعية، لا مجرد تعبير ذاتي، ويغدو المنفى واقعًا يُكتب ويُفكّر فيه، لا ظرفًا عابرًا.
يفتتح الكتاب بتقديمٍ بقلم د. سرجون فايز كرم جاءت في حوالي 50 صفحة- مترجمة إلى الألمانية- ومما جاء فيها:
وفي نظرة على سير الشعراء والشاعرات الذاتيّة المعروضة ضمن هذه الأنطولوجيا يمكننا إدراك ظروف إقامتهم في أوروبا. فالطائفة الكبرى منهم وصلت إلى أوروبا بفعل الملاحقة السياسيّة في بلادهم كالعراقيّين والسوريّين وليبيّ، وبعضهم جاؤوا مهجّرين هربًا من الحرب الدائرة في بلادهم (سوريّون من موجة الهجرة الحديثة إلى أوروبا واليمنيّون والفلسطينيّون)، في حين أنّ هناك قسمًا ربط سبب مجيئه بين ظروف بلاده وتخصّصه العلميّ وحكم عمله (لبنان والمغرب وتونس والجزائر ومصر). وتجدر الإشارة إلى أنّنا لم نسعَ إلى توازن بين عدد الشعراء والشاعرات، بل كان تركيزنا على الإنتاج الشعريّ، فقد كان غريبًا نوعًا ما صعوبة الاتصال بشاعرات عراقيّات أو عدم رغبتهنّ في المشاركة، وبحسب تصريح شاعرة مقيمة بعد سقوط نظام صدّام حسين يعود السبب للخوف من ملاحقة بقايا النظام. أمّا الشعراء والشاعرات السوريّون فأضفنا إلى المشاركين مجموعة جاءت إلى أوروبا إبّان موجة اللجوء التي حصلت في الأعوام العشرة الأخيرة ولكنّنا آثرنا التركيز على أسماء معروفة قبل الهجرة بإنتاجها الشعريّ وليس أسماء ظهرت فجأة في أوروبا على أنّها تكتب الشعر، وذلك تجنّبًا للوقوع في فخّ مواقع التواصل الاجتماعيّ التي ساهمت في انفجار كبير للأسماء التي تطلق على نفسها لقب شاعر، وكذلك تجنّبًا من الوقوع في مركزيّة الإعلام الألمانيّ على شعراء ظهروا فجأة وهم غير معروفين على الساحة الشعريّة العربيّة. ولا بدّ من الإشارة أيضًا إلى أنّ بحثنا الدؤوب أتاح لنا مشاركة نصوص لأقليّات في العالم العربيّ تكتب باللغة العربيّة مثل الكرديّة والآشوريّة والأمازيغيّة والإيزيديّة.
بهذا الإصدار، تخطو القصيدة العربية في المهجر خطوة نوعية نحو الاعتراف المؤسسي والأكاديمي، وتجد في برلين منصةً تحتضن ذاكرتها وتمنحها شكلًا كتابيًا جامعًا.
رابط الكتاب:
https://www.ebv-berlin.de/epages/15494902.sf/de_DE/?ViewObjectPath=%2FShops%2F15494902%2FProducts%2F%22ISBN%3A%20978386893-514-1%22