تهمة الانفصال… سلاح الأعداء حين يعجزون عن مواجهة الحقيقة

المحامي والصحفي عرفان الداوودي

كلما ضاق الخناق على قوى التطرّف والإرهاب، وكلما انكشفت عورة خطابهم أمام الرأي العام، عادوا إلى سلاحهم القديم: تشويه صورة الشعب الكوردي واتهامه بالانفصال. إنها تهمة جاهزة، يلوّح بها الدواعش والمرتزقة وكل أعداء التعايش، كلما فشلوا في فرض مشاريعهم الظلامية على المنطقة.

لقد ارتكب تنظيم داعش الإرهابي جرائم موثّقة بحق الإنسانية جمعاء، من الإبادة الجماعية، إلى التهجير القسري، إلى تدمير المدن والآثار، ولم يكن خطره يومًا وهميًا أو منتهيًا. فما زالت خلاياه النائمة تنشط في الساحتين العراقية والسورية، مستغلة هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية في المناطق المتأزمة، ومحاولة إعادة إنتاج نفسها بثوب جديد.

وفي العراق تحديدًا، لا يمكن إنكار وجود حاضنات محدودة للتطرف في بعض المناطق، ظهرت ملامحها بوضوح خلال السنوات الماضية، سواء عبر دعمٍ صامت، أو تبريرٍ علني، أو مواقف إعلامية خرجت على بعض الفضائيات لتدافع عن “الدولة الإسلامية” وتسوّغ جرائمها. هذه الأصوات، مهما حاولت التخفّي، تبقى شاهدة على أن الفكر الداعشي لم يُستأصل بالكامل.

ومن المفارقات الفاضحة أن من يروّج اليوم لاتهام الكورد بالانفصال، هم في كثير من الأحيان أنفسهم من تماهوا مع خطاب داعش، أو غضّوا الطرف عن جرائمه، أو حاولوا تبريرها. وهنا يجب أن تُقال الحقيقة بوضوح: اتهام الكورد بالانفصاليين هو خطاب داعشي بامتياز، لأنه يستهدف وحدة الشعوب، ويعادي التعدد، ويرفض أي صيغة ديمقراطية للاعتراف بالحقوق.

إن الشعب الكوردي شعبٌ معروف في العالم بنضاله، وتضحياته، وإسهامه في محاربة الإرهاب. لقد كان الكورد في مقدمة من واجهوا تنظيم داعش الإرهابي، وقدّموا آلاف الشهداء من البيشمركة والمدنيين دفاعًا عن كوردستان، وعن العراق، وعن الإنسانية جمعاء. ولم تكن معركتهم دفاعًا عن أرضهم فحسب، بل عن قيم الحياة في مواجهة مشروع الموت.

ومن حق أي شعب، وفق القوانين الدولية والمواثيق الأممية، أن يطالب بحقوقه المشروعة، سواء في الحكم الذاتي، أو الفيدرالية، أو حتى تقرير المصير. هذه الحقوق لا تُعد جريمة، ولا انفصالًا، بل خيارات سياسية سلمية، تُناقش عبر الحوار وصناديق الاقتراع، لا عبر التفجيرات والذبح والتكفير.

إن محاولات شيطنة الكورد لن تغيّر من الحقائق شيئًا، كما أن ربط مطالبهم المشروعة بالإرهاب هو تضليل مفضوح، لا يخدم إلا أعداء الاستقرار. فالكورد كانوا وما يزالون عامل توازن، وشريكًا أساسيًا في بناء عراق ديمقراطي تعددي، يحترم مكوّناته، ويصون كرامة مواطنيه.

ختامًا، فإن مواجهة داعش لا تكون بالسلاح وحده، بل بكشف خطابه، وفضح أدواته الإعلامية، ورفض لغته التحريضية. أما الشعب الكوردي، فسيبقى ثابتًا على نهج النضال المشروع، مدافعًا عن حقوقه، وفي الوقت نفسه شريكًا صادقًا في محاربة الإرهاب وصون مستقبل المنطقة .

قد يعجبك ايضا