مهدي گلي
ليست التضحية في الوجدان الكوردي شعاراً عابراً، ولا جملة تقال في لحظات الانفعال، بل هي خلاصة تاريخ طويل من الصراع من أجل البقاء والكرامة والاعتراف. حين نقول إننا نضحي بأنفسنا من أجل كل شبر من أرضنا ووطننا كوردستان، فنحن لا نبالغ، بل نختصر قروناً من التجربة السياسية والإنسانية التي فرضت علينا قسراً .
كوردستان ليست فكرة طارئة، ولا مشروعاً ولِد في غرف السياسة الحديثة. إنها أرض محددة، وهوية راسخة، وشعب عاش عليها قبل أن تُرسم الحدود، وقبل أن توزع الخرائط وفق مصالح القوى الغالبة. ومع ذلك، كان نصيب هذا الشعب أن يحرم من حقه الطبيعي في تقرير مصيره، وأن يطلب منه باستمرار التنازل، الصمت، أو النسيان.
التاريخ السياسي للكورد يثبت أن كل مساحة من هذه الأرض دُفِع ثمنها دماً، وأن كل خطوة نحو الحفاظ على الهوية كانت مواجهة مع سياسات الإقصاء والإنكار. لم يكن حمل السلاح خيارًا رومانسياً، بل رداً اضطرارياً على العنف المنظم، ولم تكن الثورات نزوة، بل نتيجة مباشرة لسد كل الأبواب السياسية السلمية.
في الخطاب الرسمي للعديد من الدول، يتهم الكورد بالمبالغة في مطالبهم، أو يُصورون كعامل عدم استقرار. غير أن الحقيقة أبسط وأكثر عدالة: لا يمكن مطالبة شعب بالتخلي عن أرضه مقابل وعود هشة، ولا يمكن فرض الاستقرار على حساب الهوية. الاستقرار الحقيقي لا يبنى بالقوة، بل بالاعتراف والعدالة والمساواة.
التضحية، في السياق الكوردي، ليست عبادة للموت، بل دفاع عن الحياة. الدفاع عن حق اللغة أن تدرس دون خوف، وحق الثقافة أن تمارس دون قمع، وحق الإنسان أن يُسمّى باسمه الحقيقي لا بالاسم الذي فرض عليه. وحين يُهدد كل ذلك، تصبح التضحية خياراً أخلاقياً قبل أن تكون موقفاً سياسيا.
السياسة الواقعية تفرض علينا الاعتراف بأن ميزان القوى لم يكن يوماً في صالح الكورد، ومع ذلك لم يكن الاستسلام خياراً. لقد تعلّم هذا الشعب أن الحقوق التي لا تُحمى تُسلب، وأن الأرض التي لا يُدافَع عنها تنتزع تدريجياً، شبراً بعد شبر، حتى لا يبقى منها سوى الذكرى.
إن الدفاع عن كل شبر من كوردستان لا يعني رفض التعايش مع الآخرين، ولا الدعوة إلى الإقصاء أو الكراهية. على العكس، التجربة الكوردية تظهر استعداداً دائماً للشراكة العادلة، شرط أن تكون قائمة على الاحترام المتبادل، لا على الهيمنة، وعلى الاعتراف المتساوي، لا على الوصاية.
المشكلة الجوهرية ليست في طموح الكورد، بل في خوف الأنظمة من الاعتراف بحقوقهم. فالدولة التي تثق بنفسها لا تخشى التعدد، والنظام القوي لا يرى في الاعتراف بالآخر تهديداً. لكن حين تبنى الدول على إنكار مكوّن أساسي، يصبح أي مطلب مشروع خطراً وجودياً في نظرها.
من هنا، فإن التضحية ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة أخيرة حين تغلق السياسة أبوابها. ولو فتح باب العدالة الحقيقية، لما احتاج الكوردي إلى أن يضع روحه في كفة الميزان. غير أن الواقع أثبت مراراً أن الحقوق لا تمنح طوعاً، بل تنتزع بوعي وإصرار وتضحيات.
ختاماً، فإن القول إننا نُضحي بأنفسنا من أجل كل شبر من أرضنا ووطننا كوردستان، ليس دعوة للحرب، بل إعلان مسؤولية تاريخية. مسؤولية تجاه الأجداد الذين دُفنوا في هذه الأرض، وتجاه الأجيال القادمة التي لها الحق في أن تعيش بحرية وكرامة على أرضها، لا كضيوف مؤقتين، بل كأصحاب وطن.