الاتفاق واقعية سياسية ضرورية

سمير ميراني / أربيل

يأتي الاتفاق الأخير بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية في مرحلة تشهد إعادة تشكيل عميقة للمشهد السوري، حيث لم تعد المقاربات الأمنية كافية لإدارة الدولة، وبات الانتقال نحو تسويات سياسية مرحلية مدخلاً إلزامياً للصراع على شكل النظام السياسي والدستوري القادم.
من منظور سياسي واقعي، لا يمكن للكورد البقاء خارج المعادلة الوطنية أو الاكتفاء بدور مؤقت تفرضه الظروف العسكرية، فقد أثبتت سنوات الصراع أن الاستنزاف والحصار لا ينتجان مكاسب استراتيجية مستدامة، بل يضعفان القدرة على التأثير في لحظة صياغة الحلول الكبرى، وعليه، يمثل هذا الاتفاق إعادة تموضع سياسية تهدف إلى تثبيت الكورد كفاعل دستوري لا يمكن تجاوزه.
تكمن أهمية الاتفاق في كونه يفتح مساراً انتقالياً يسمح بتحويل التجربة العسكرية والإدارية التي راكمها الكورد إلى استحقاق دستوري واضح، فالمطلوب لم يعد مجرد ضمانات أمنية، بل الاعتراف الصريح بالشعب الكوردي كمكون قومي أصيل في الدستور السوري، وضمان حقوقهم السياسية والثقافية واللغوية، واعتماد شكل من أشكال اللامركزية الديمقراطية التي تتيح إدارة محلية حقيقية ضمن إطار الدولة السورية.
وفي هذا السياق، يشكل احتفاظ الكورد بقوتهم العسكرية وتنظيمهم الأمني عنصر توازن سياسي لا غنى عنه، وضمانة فعلية لحماية أي مسار دستوري من التفريغ أو الالتفاف، فهذه القوة ليست نقيضاً للحل السياسي، بل شرطاً لنجاحه، إذ تمنح الكورد القدرة على الدفاع عن مكتسباتهم إلى أن تُترجم نصاً واضحاً وملزماً في الدستور.
إن مستقبل الكورد في سوريا يرتبط بقدرتهم على ربط أي اتفاق مرحلي بمسار دستوري محدد المعالم، يفضي إلى دولة مدنية ديمقراطية تعترف بالتعدد القومي، وتقوم على المواطنة المتساوية، لا على المركزية القسرية أو الإنكار السياسي.
هذا الاتفاق ليس غاية بحد ذاته، بل اختبار سياسي حاسم، إما أن يتحول إلى بوابة لترسيخ الحقوق الكوردية دستورياً، أو يبقى مجرد هدنة مؤقتة، الواقعية السياسية اليوم تفرض الدخول في هذا المسار، لكن المسؤولية التاريخية تفرض عدم الاكتفاء به، فالمعركة الحقيقية للكورد لم تعد على خطوط التماس، بل على نصوص الدستور وشكل الدولة السورية القادمة.ا

قد يعجبك ايضا