مصطفى عبدالكريم قایتەوەني – ڤیینا
بعد حربي أفغانستان والعراق، دخل الشرق الأوسط مرحلة شديدة الاضطراب، حيث بدت المنطقة وكأنها تقف على حافة انفجار طويل الأمد. كانت السنوات التي تلت تلك الحروب مليئة بالمخاطر، صُنعت خلالها أحداث معقدة وسيناريوهات سياسية وأمنية واستخباراتية، انتقلت من عالم الأفلام والخيال إلى واقع دموي ملموس.
قبل اندلاع ما سُمّي (بـالربيع العربي”)، كانت هناك بالفعل تصورات وسيناريوهات متعددة للصراع السياسي والاقتصادي والأمني، بعضها جرى تسويقه عبر وسائل الإعلام التقليدية، فيما تحوّل جزء مهم منها إلى أعمال درامية وسينمائية عصرية، شاهدها الملايين باعتبارها مجرد ترفيه، بينما كانت في جوهرها تعكس صراعات حقيقية قيد الإعداد.
يُعد المسلسل التركي الشهير (وادي الذئاب) مثالًا واضحًا على ذلك، فهذا العمل لم يكن مجرد خيال فني، بل حمل في طياته سيناريوهات استخباراتية وسياسية دقيقة. وإذا توقفنا عند أهم مفاصل هذا المسلسل، نجد أنه بدأ في ربيع عام 2003، متزامنًا مع سقوط نظام بائد، وكأن توقيته لم يكن مصادفة. قدّم المسلسل صورة عدائية لتركيا تجاه إسرائيل والولايات المتحدة وحتى أوروبا، وتناول بعمق أحداث مناطق حساسة مثل البلقان والقوقاز، وهما منطقتان جيوسياسيتان وثقافيتان بالغتا الأهمية، فالبلقان، الواقعة في جنوب شرق أوروبا، تضم دولًا مثل ألبانيا وصربيا والبوسنة، بينما تمتد منطقة القوقاز بين بحر قزوين والبحر الأسود، وتشمل جورجيا وأرمينيا وأذربيجان. وقد تميّزت المنطقتان بتنوع عرقي وديني كبير، وتاريخ طويل من الصراعات، إضافة إلى تأثيرات النفوذ العثماني والروسي، وهو ما سعى المسلسل لإبراز الطموح التركي في استعادة دور فاعل فيهما.
الأهم من ذلك أن معظم أحداث الشرق الأوسط، بشكل مباشر أو غير مباشر، كانت حاضرة في هذا العمل:الحرب الطائفية في العراق، مقدمات الربيع العربي، الحرب في سوريا، الصراع مع إيران، والعمليات العسكرية والاستخباراتية المتشابكة، في ذلك الوقت، كان كثير من الناس ينظرون إلى هذه الأحداث باعتبارها مجرد خيال درامي، لكن الواقع أثبت لاحقًا أنها كانت قراءة استباقية لما سيحدث.
ومن الشخصيات اللافتة في المسلسل شخصية (شارون)، التي جسّدت دور دبلوماسي ورجل استخبارات إسرائيلي، ففي أحد المشاهد، يتحدث (شارون)، عن سوريا بتفاصيل دقيقة، ويقول جملة محورية (سوريا هي فتيل الشرق الأوسط)، وهي عبارة تختصر جوهر الصراع في المنطقة، كما نراه اليوم.
إن إظهار العداء بين تركيا من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لم يكن في كثير من الأحيان سوى لعبة سياسية موجهة للرأي العام!
أما الحقيقة، فتكشف أن معظم أحداث الشرق الأوسط، وخصوصًا في (سوريا والعراق)، لم تكن لتكتمل دون دور تركي مباشر أو غير مباشر، سواء عبر التنسيق أو الإقناع أو غضّ الطرف.
تذهب بعض الآراء إلى أن رفض تركيا عام 2003، السماح للجيش الأمريكي بالعبور إلى العراق عبر أراضيها كان جزءًا من هذه اللعبة السياسية، بهدف تحسين صورة تركيا أمام الرأي العام الإسلامي، وإظهارها كدولة تقف في وجه الهيمنة الأمريكية، ما منحها تعاطفًا واسعًا في العالم الإسلامي ودول الخليج.
وهنا تتضح خيوط العلاقة المعقدة بين واشنطن وتل أبيب وأنقرة، وكأنهم ثلاثة أطراف بروح واحدة في ثلاثة أجساد مختلفة، يقودون المشهد في المنطقة، كلٌ وفق مصالحه، فتركيا بوصفها وريثة الطموح العثماني، تسعى إلى دور إقليمي أكبر، ما يفتح باب الصراع حول مناطق استراتيجية مثل (حلب والموصل وكركوك)، ويبقى السؤال المفتوح هل ستوافق واشنطن وتل أبيب ولندن على تحقيق هذه الطموحات التركية؟ أم ستُبقي تركيا في دور محوري يضمن استمرار اشتعال الفتيل الأخطر في سوريا والعراق؟ لإجابة على هذا السؤال، كما يبدو، ستتكشف في أحداث قادمة لم تكتمل فصولها بعد.