عواد علي
ليس سؤال “ماذا يريد الكُرد في سوريا؟” سؤالاً سياسياً عابراً، بل هو سؤال تاريخي، وجودي، وأخلاقي قبل أن يكون تفاوضياً. سؤال يُطرح غالباً بنبرة شكّ أو اتهام، وكأن الكُرد مطالبون دوماً بتسويغ حقهم في الحياة، لا في السياسة فقط. ومع ذلك، فإن الإجابة ليست غامضةً ولا سرّيةً، بل واضحة، مكرّرة، ومعلنة منذ عقود، لكن المشكلة لم تكن يوماً في وضوح المطالب، بل في إرادة الاعتراف بها.
الكُرد في سوريا شعبٌ أصيل، سبق قيام الدولة السورية الحديثة بقرون. لم يأتوا لاجئين ولا مستوطنين، بل وجدوا أنفسهم، بعد سايكس– بيكو، موزّعين بين أربع دول، من دون أن يُسألوا أو يُستشاروا. في سوريا، عاش الكُرد عقوداً من التهميش الممنهج، على مدى خمسة عقود من حكم عائلة الأسد :
تجريد عشرات الآلاف من الجنسية، منع اللغة الكردية في المدارس، سياسات التعريب (الحزام العربي)، منعهم من التحدث بلغتهم، تغيير الديموغرافيا، فُرض عليهم أحياناً تغيير أسماء مواليدهم، كما جرى وصفهم خطأً غالباً بالعرب، وحُظر عليهم حتى الاحتفال بعيد النوروز علناً، والقمع الأمني والتمييز الوظيفي.
لذلك، فإن أي حديث عن “مطالب كُردية” يجب أن يبدأ بالاعتراف بأننا نتحدث عن شعب حُرم حتى من أبسط حقوق المواطنة.
ماذا لا يريد الكُرد؟
قبل الإجابة عمّا يريدونه، من الضروري توضيح ما لا يريدونه، لأن الخطاب السائد يتعمّد تشويه مطالبهم. لا يطالب الكُرد بتفكيك سوريا، ولا يسعون إلى طرد المكوّنات الأخرى، لا يخططون لإقامة دولة قومية مغلقة على حساب الآخرين، ولا يرفضون الانتماء السوري، أي أن الكُرد، في الجوهر، لا يطالبون بسوريا خاصة بهم، بل بسوريا تتّسع لهم ولغيرهم. سوريا مدنية، ديمقراطية، تعددية، لا تُدار بعقلية الأكثرية القامعة ولا الأقلية المهيمنة. سوريا تعترف بأن التنوع ليس خطراً، بل ثروة.
هذه ليست شعارات، بل وقائع أثبتتها التجربة العملية في مناطق الإدارة الذاتية، حيث تعايش الكُرد مع العرب والسريان والآشوريين والأرمن في إطار مشترك.
الاعتراف الدستوري:
المطلب الجوهري أول ما يريده الكُرد في سوريا:
– الاعتراف الدستوري بوجودهم كشعب، لا كـ”أقلية طارئة”، والاعتراف باللغة الكُردية كلغة رسمية إلى جانب العربية في المناطق الكردية. إن إدراج الهوية الكُردية في الدستور السوري، ليس ترفاً ثقافياً، بل تصحيح لخطأ تاريخي، فلا يمكن بناء دولة حديثة على إنكار أحد مكوّناتها الأساسية، ولا يمكن الحديث عن وحدة وطنية تقوم على الصهر القسري.
– اللامركزية لا الانفصال. المطلب السياسي الأبرز للكُرد هو نظام لامركزي ديمقراطي، يضمن إدارةً محليةً حقيقيةً للمناطق، مع بقاء السيادة للدولة السورية. إن اللامركزية التي يطالب بها الكُرد ليست بدعةً، بل نموذج مطبّق في عشرات الدول، وهي الضامن الوحيد لعدم عودة الاستبداد المركزي الذي دمّر سوريا.
إن الكُرد، بعد تجربة عقود من حكم أمني مركزي، يدركون أن الخطر الحقيقي على وحدة سوريا ليس اللامركزية، بل إعادة إنتاج النظام نفسه بأسماء جديدة.
– الشراكة لا التبعية ما يريده الكُرد هو شراكة حقيقية في القرار السياسي والعسكري والاقتصادي، لا دور “الملحق” أو “الضيف الثقيل”.
لقد دفع الكُرد ثمناً باهظاً في الحرب ضد تنظيم داعش، وكانوا في الصفوف الأولى دفاعاً عن سوريا والمنطقة والعالم. ومن غير المقبول أن يُكافأ هذا الدور بالإقصاء أو الشك أو التخوين.
إن الشراكة تعني: تمثيلاً عادلاً في مؤسسات الدولة، ومشاركة في صياغة الدستور، واحترام خصوصيات المناطق الكردية، وعدالة في توزيع الثروات
الأمن والكرامة بعد الحرب
يريد الكُرد ضمانات حقيقية بعدم تكرار المآسي: عدم العودة إلى سياسات القمع، وعدم استخدام الجيش ضد المدنيين، حماية المناطق من التدخلات الخارجية، محاسبة من ارتكب الجرائم بحق المدنيين.
فالذاكرة الكُردية في سوريا مثقلة بالخوف، ولا يمكن مطالبة شعب بنسيان تاريخه من دون تقديم ضمانات واضحة للمستقبل.
سؤال معكوس
ربما آن الأوان لعكس السؤال “ليس ماذا يريد الكُرد في سوريا؟”، لماذا “يُخاف مما يريده الكُرد؟” لأن ما يريده الكُرد، في الحقيقة، هو ما تريده كل الشعوب التي أنهكها الاستبداد:
اي الحرية، الكرامة، والاعتراف. وما عدا ذلك، ليس إلا ضجيجاً سياسياً يخشى العدالة أكثر مما يخشى الانقسام.